تقرير كيف تحول "البطيخ" من شعار للتضامن الى رمز "مثير للجدل" .. القصة الكاملة

خاص / شهاب 

لم يكن صعود "البطيخ" إلى فضاء الرموز السياسية الفلسطينية حدثًا عفويًا أو لحظة رقمية عشوائية، بل جاء نتيجة تراكم تاريخي طويل من القيود على الرموز الوطنية، وعلى رأسها العلم الفلسطيني.
يشير تقرير بعنوان" القيود على الرموز الفلسطينية بعد 1967"  إلى أن استخدام ألوان البطيخ (الأحمر، والأخضر، والأبيض، والأسود) ارتبط بمحاولات الالتفاف على القيود التي فُرضت على رفع العلم الفلسطيني في مراحل مختلفة، خاصة بعد عام 1967، حين جرى تشديد القيود على ظهوره في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك الاعتقال أو المصادرة في بعض الحالات.

بدائل رمزية

ومع هذا المناخ، بدأت تتشكل رمزية "بدائل بصرية" تحمل الدلالة نفسها دون الظهور المباشر للعلم، فظهر البطيخ كأحد أكثر هذه البدائل انتشارًا، نظرًا لتطابق ألوانه مع الألوان الوطنية الفلسطينية.

يرى الفنان الفلسطيني خالد حوراني أن تطور الرموز البصرية في الحالة الفلسطينية جاء نتيجة القيود المتكررة على استخدام العلم الفلسطيني في بعض السياقات، ما دفع فنانين وناشطين إلى البحث عن بدائل رمزية قادرة على إيصال المعنى دون مواجهة مباشرة مع المنع أو الرقابة.

ويشير حوراني في تصريحات صحفية منشورة إلى أن هذا النوع من التحول في الرموز لا ينفصل عن دور الفن في السياقات السياسية، حيث يصبح العمل الفني وسيلة للتعبير عندما تُغلق قنوات التعبير التقليدية.

ومع توسع الاحتجاجات العالمية الداعمة لفلسطين، خاصة خلال أحداث حي الشيخ جراح عام 2021، ثم الحرب على غزة لاحقًا عام 2023، انتقل البطيخ من فضاء الفن إلى الشارع والمنصات الرقمية العالمية، ليصبح رمزًا متداولًا ومشهورًا في التظاهرات والملصقات والحملات الإلكترونية (شهادات ميدانية من مظاهرات في مدن أوروبية وتقارير إعلامية مثل BBC وDW).\

w1280-p16x9-Capture-42.png


 

خلال العامين الماضيين، تحوّل البطيخ إلى "لغة بصرية" يستخدمها ناشطون حول العالم للتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين، خصوصًا في السياقات التي تُفرض فيها قيود على رفع العلم أو استخدامه.
ويقول الفنان الفلسطيني خالد حوراني في تصريحات صحفية منشورة إن "الفن يمكن أن يكون في بعض الأحيان أكثر تعبيرًا من السياسة نفسها" (مقابلات صحفية منشورة – Washington Post وغيرها)، في إشارة إلى قدرة الرموز البصرية على تجاوز الرقابة وإعادة إنتاج المعنى السياسي.

هذا التحول لم يكن مجرد تطور جمالي، بل جزءًا من استراتيجية رمزية أوسع تقوم على استخدام الأشكال البسيطة والمألوفة لتجنب الرقابة الرقمية أو السياسية، وإيصال الرسائل بشكل غير مباشر (تحليلات في دراسات الثقافة البصرية – Stuart Hall / James C. Scott).

وقد رُصد استخدام البطيخ في مظاهرات بعدة مدن أوروبية، إلى جانب انتشاره على منصات التواصل الاجتماعي كرمز تضامني، في ظل تصاعد النقاشات حول الحرب على غزة وحرية التعبير (تقارير إعلامية أوروبية وشهادات ناشطين).

لم يقتصر استخدام البطيخ كرمز بصري للتضامن مع فلسطين على ساحات التظاهر والمنصات الرقمية، بل امتد خلال العامين الماضيين إلى عالم الموضة العالمية (تقارير موضة وإعلام ثقافي دولي)، حيث ظهر في شكل ملابس وإكسسوارات ارتداها فنانون ومشاهير في فعاليات دولية، في تعبير رمزي عن رفض الإبادة "الإسرائيلية" على غزة وتأييد الرواية الفلسطينية.

رفضًا للإبادة

فقد تحوّلت الفكرة من مجرد رمز رقمي أو احتجاجي إلى عنصر تصميم حاضر في الحقائب والفساتين والإكسسوارات، إذ ظهرت حقائب تحمل شكل البطيخ أو مطبوعات لألوانه في عروض وأحداث عالمية، كما لفتت بعض الإطلالات في مهرجانات سينمائية دولية الانتباه بعد أن اختارت فنانات حمل حقائب أو ارتداء قطع مستوحاة من البطيخ بوصفه رمزًا للهوية الفلسطينية ورفضا للابادة.

وفي مهرجان "كان" 2024، أثارت الممثلة كاني كوسروتي اهتمامًا واسعًا عندما ظهرت بحقيبة مستوحاة من البطيخ، واعتُبر ذلك “رسالة تضامن بصري مع فلسطين” على السجادة الحمراء.

504777_0.jpg


 

كما رصدت تقارير إعلامية انتشار حقائب وإكسسوارات تحمل رمزية البطيخ بين متضامنين وشخصيات عامة في سياقات سياسية مختلفة، حيث أصبح هذا الرمز يُستخدم بوصفه "لغة موضة سياسية" تعبّر عن رفض الحرب والإبادة "الإسرائيلية" فى غزة، خاصة مع تزايد حضور القضية الفلسطينية في الفضاء الثقافي العالمي 

ويشير هذا التحول إلى أن البطيخ لم يعد مجرد علامة احتجاج شعبية أو رمزًا رقميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح جزءًا من خطاب بصري عالمي يتقاطع فيه الفن والموضة والسياسة، حيث تُستخدم الأزياء كوسيلة للتعبير عن المواقف السياسية دون الحاجة إلى شعارات مباشرة.

لكن هذا الانتشار لم يمر دون جدل، إذ بدأت بعض المؤسسات البحثية والأمنية تتعامل مع الرموز البصرية ضمن سياق أمني أوسع، يربط بين أشكال التعبير السياسي ومخاوف تتعلق بالتطرف أو معاداة السامية (تقارير استخباراتية ألمانية – BfV + تغطيات إعلامية أوروبية).

في ألمانيا تحديدًا، أثارت إرشادات صادرة عن أجهزة الاستخبارات الداخلية جدلًا واسعًا، بعد تخصيصها مواد لرصد ما تصفه بـ"الرموز والسلوكيات ذات الصلة بمعاداة السامية" داخل بعض الحركات المؤيدة لفلسطين.
وبحسب ما ورد في وثائق رسمية، فإن بعض الرموز المستخدمة في الاحتجاجات—ومنها البطيخ عند توظيفه بطريقة تحاكي العلم الفلسطيني أو تُستخدم فيه دلالات جغرافية وسياسية—قد تُدرج ضمن “مؤشرات تستدعي التدقيق الأمني”.

كما شملت هذه الإرشادات شعارات سياسية مثل “من النهر إلى البحر فلسطين ستكون حرة”، إلى جانب رموز أخرى جرى تفسيرها في سياقات أمنية مختلفة، مثل “الأخطبوط” الذي اعتُبر في بعض التحليلات رمزًا قد يُستخدم للإيحاء بنظريات مؤامرة.

هذا التوسع في قراءة الرموز أثار انتقادات من جهات حقوقية  حذّرت من أن إدراج رموز ثقافية أو بصرية ضمن قوائم الاشتباه قد يؤدي إلى خلط بين التعبير السياسي المشروع وخطابات الكراهية، وبالتالي تقييد حرية التعبير في الفضاء العام.

يكشف الجدل حول البطيخ عن إشكالية أعمق تتجاوز الرمز نفسه، وتتعلق بمن يملك حق تعريفه: هل هو تعبير ثقافي نابع من تجربة شعبية وفنية؟ أم أنه يتحول تدريجيًا إلى علامة قابلة لإعادة التأويل الأمني والسياسي؟
من جهة، يرى باحثون وفنانون أن البطيخ أصبح جزءًا من منظومة رمزية فلسطينية مرنة، نجحت في التكيف مع القيود، وفتحت مساحة جديدة للتعبير في ظل الرقابة.

معاداة السامية 

ومن جهة أخرى، يرى منتقدون لهذا الاستخدام الرمزي أن "تبسيط النضال عبر رموز جمالية" قد يساهم في تحويل قضية سياسية معقدة إلى صورة قابلة للاستهلاك الإعلامي، ما قد يضعف حضور الرموز التاريخية الأكثر رسوخًا مثل العلم والكوفية ومفتاح العودة.

يبقى البطيخ في نهاية المطاف رمزًا مفتوحًا على التأويل، يعكس في آن واحد قدرة الفلسطينيين على الابتكار في التعبير، واتساع مساحة الجدل حول حدود الرموز السياسية في الفضاء العالمي.
فهو ليس مجرد فاكهة تحولت إلى شعار، بل مثال على كيف يمكن للمعنى أن يتحول من أداة مقاومة إلى موضوع نقاش أمني وثقافي، في ظل صراع مستمر على الرواية والرمز والسردية.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة