أعاد تحليل نُشر في موقع "دورسيت آي" (Dorset Eye) فتح نقاش أوسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية في بريطانيا حول ما يُوصف بـ"المعايير غير المعلنة" التي تحكم صعود السياسيين داخل الأحزاب، وعلى رأسها الموقف من إسرائيل، في وقت تتصاعد فيه الحساسية السياسية حول الحرب على غزة وتداعياتها داخل الحياة الحزبية البريطانية.
قال تقرير بريطاني إن في السياسة البريطانية المعاصرة، أصبح الموقف من "إسرائيل" وفلسطين أحد المعايير غير المعلنة التي تؤثر بصورة مباشرة على فرص الوصول إلى قيادة حزب العمال، وبالتالي إلى رئاسة الوزراء.
وذكر تقرير موقع "دورسيت آي" البريطاني أن أي سياسي يسعى إلى قيادة الحزب يواجه اختبارًا أيديولوجيًا غير رسمي يتعلق بمدى التزامه بالإطار التقليدي للسياسة البريطانية تجاه "إسرائيل".
وضمن هذا السياق، يُنظر إلى الدعم العلني الكامل للسيادة الفلسطينية، أو المطالبة بفرض عقوبات فعّالة على "إسرائيل"، أو توجيه انتقادات حادة ومتواصلة للصهيونية، باعتبارها مواقف قد تضعف فرص الوصول إلى المناصب القيادية العليا داخل الحزب.
وقد ترسخ هذا الواقع بصورة أكبر بعد نهاية قيادة جيريمي كوربين لحزب العمال؛ فقد كان كوربين من أبرز الشخصيات السياسية البريطانية التي تحدّت بشكل مباشر التوافق التقليدي داخل المؤسسة السياسية البريطانية بشأن "إسرائيل".
ويشير التحليل إلى أن أي سياسي يسعى لقيادة حزب رئيسي قد يجد نفسه أمام اختبار غير مكتوب يتعلق بمدى التزامه بالإطار التقليدي للسياسة البريطانية تجاه إسرائيل، وهو ما يصفه بأنه معيار غير معلن، لكنه حاضر في طريقة التعامل الإعلامي والسياسي مع المرشحين. ويأتي هذا الطرح في سياق جدل أوسع لا يُقدَّم كسياسة رسمية، بل كمزيج من الضغوط الحزبية والإعلامية وحدود الخطاب المقبول داخل المؤسسة السياسية.
وخلال عام 2024، برزت واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل حزب العمال البريطاني، حين تم سحب الدعم من مرشحه في الانتخابات الفرعية في مدينة روشديل، آزر علي، بعد تصريحات مرتبطة بالحرب على غزة وإسرائيل، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” وموقع “آي تي في نيوز”. واعتبرت قيادة الحزب أن التصريحات تجاوزت المعايير المقبولة، قبل أن يتم لاحقًا سحب الترشيح الرسمي منه، في خطوة عكست حساسية عالية تجاه أي خطاب مرتبط بهذا الملف داخل سباقات الانتخابات.
وفي الفترة نفسها تقريبًا، شهد حزب العمال سلسلة إجراءات تأديبية داخلية بحق بعض أعضائه ومرشحيه على خلفية تصريحات مرتبطة بالصراع في غزة وإسرائيل، بحسب تقارير “آي تي في نيوز”، وهو ما عكس مستوى التدقيق الحزبي في الخطاب العلني المتعلق بهذا الملف، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والإعلامية.
ومع استمرار الحرب على غزة خلال عام 2024، أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا أكثر حضورًا في السياسة الداخلية البريطانية، حيث أظهرت تقارير منشورة في صحيفة “نيو ستيتسمان” أن موقف حزب العمال من الحرب تسبب في توترات داخلية واحتجاجات من بعض قواعده المحلية، إضافة إلى استقالات في مجالس محلية، خصوصًا في دوائر ذات كثافة سكانية مسلمة، ما عكس اتساع الفجوة بين القيادة الحزبية وقواعدها حول طريقة التعامل مع ملف إسرائيل.
وفي عام 2025، تعمّق الجدل أكثر داخل حزب العمال، بعد تقارير لصحيفة “الغارديان” أظهرت أن عددًا من النواب والمجالس المحلية عبّروا عن قلق متزايد من سياسة الحزب تجاه غزة، بما في ذلك دعم دعوات لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، وهو ما كشف عن انقسام داخلي واضح حول حدود الموقف السياسي المقبول داخل الحزب في هذا الملف.
وفي السياق نفسه، نقلت "الغارديان" أيضًا أن مؤتمر حزب العمال في 2025 شهد تصويتًا مثيرًا للجدل على قرار يصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، في خطوة اعتُبرت تعبيرًا عن اتساع الهوة بين القاعدة الحزبية والقيادة، وتحول الملف الفلسطيني إلى محور صراع سياسي داخلي وليس مجرد قضية خارجية.
وفي عهد رئيس الحكومة الحالي كير ستارمر، برز نفوذ شخصيات سياسية مرتبطة بجماعة “أصدقاء إسرائيل” داخل حزب العمال، كما أشارت تقارير صحفية وتحقيقات إلى وجود علاقات متنامية بين عدد من أعضاء الحزب وشبكات ضغط مؤيدة "لإسرائيل"، سواء من خلال التمويل أو الرحلات أو أشكال أخرى من الدعم السياسي.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود سيطرة مباشرة على قرارات الحزب، لكنه يعكس وجود بيئة سياسية يُنظر فيها إلى انتقاد "إسرائيل" بشكل صريح على أنه موقف قد يحمل كلفة سياسية ومهنية مرتفعة، في حين يُعد التقارب مع المنظمات المؤيدة "لإسرائيل" أمرًا مألوفًا داخل المؤسسة الحزبية.
وتشير هذه الوقائع مجتمعة، كما يربطها تحليل “دورسيت آي”، إلى أن ملف إسرائيل وفلسطين لم يعد مجرد جزء من السياسة الخارجية البريطانية، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في مسارات الصعود السياسي داخل الأحزاب، سواء عبر آليات الدعم أو التقييم أو حتى إدارة الأزمات الداخلية المرتبطة بالتصريحات والمواقف العلنية.
وفي ظل هذا السياق، يرى مراقبون أن الحديث عن "اختبار غير معلن" لا يُفهم بوصفه آلية رسمية أو قرارًا مؤسسيًا، لكنه يعكس واقعًا سياسيًا أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الاعتبارات الحزبية مع الضغوط الإعلامية والحساسية الشديدة تجاه هذا الملف، بما يجعل من الموقف من إسرائيل أحد أكثر القضايا تأثيرًا في رسم حدود الخطاب السياسي داخل بريطانيا اليوم.
