خاص / شهاب
في الذكرى الأولى لاستهدافه، يستحضر الوسط الإعلامي الفلسطيني ورواد مواقع التواصل الاجتماعي اسم الصحفي الشهيد حسن إصليح باعتباره أحد أبرز المراسلين الميدانيين الذين وثّقوا الحرب على قطاع غزة من قلب الميدان، قبل أن يُستهدف داخل مجمع ناصر الطبي في خانيونس جنوب القطاع، وهو على سرير العلاج، في جريمة أثارت إدانات واسعة، واعتُبرت نموذجًا لاستهداف ممنهج للصحفيين الفلسطينيين خلال تغطيهم لحرب الإبادة على غزة.
ويجمع صحفيون وحقوقيون على أن اغتيال أصليح شكّل خسارة حقيقية للإعلام الفلسطيني، ليس فقط لكونه مراسلًا ميدانيًا نشطًا، بل لأنه كان صوتًا قريبًا من الناس، ينقل تفاصيل حياتهم تحت القصف والحصار، ويوثّق المشهد لحظة بلحظة من قلب الحدث، دون أن يتخلى عن أدواته الصحفية: الكاميرا والكلمة.
وكالة اخبار متحركة
وبحسب شهادات ميدانية وتقارير حقوقية، فإن أصليح استُهدف رغم كونه مصابًا داخل المستشفى، ما فتح باب تساؤلات واسعة حول طبيعة الاستهداف، في ظل استمرار استهداف الصحفيين في قطاع غزة خلال الحرب التي وُصفت بأنها الأكثر دموية بحق الإعلاميين في التاريخ الحديث.
بدأ حسن أصليح مسيرته الصحفية عام 2009، وعمل مصورًا ومراسلًا ميدانيًا في تغطية التطورات داخل قطاع غزة، قبل أن يكتسب حضورًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع اعتماده على وسائل الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
واشتهر أصليح بسرعة ودقة نقل الأخبار العاجلة من الميدان، وتوثيق معاناة المدنيين، ما جعله مصدرًا موثوقًا لمتابعيه داخل فلسطين وخارجها. كما أطلق قناة إخبارية عبر تطبيق “تلغرام” إلى جانب منصات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي حظيت بمتابعة محلية ودولية واسعة.
وبفضل حضوره الإعلامي الواسع، وُصف في الأوساط الصحفية الفلسطينية بأنه أحد الوجوه البارزة في الإعلام الميداني خلال الحرب، وأحد الأصوات التي كرّست وجودها في قلب الحدث رغم المخاطر، وُصف بجهده الإعلامي الشخصي بوكالة أنباء فلسطينية متحركة في الميدان.
قبل استهدافه، تعرّض أصليح لحملات تحريض واسعة على منصات إعلامية ورقمية إسرائيلية، ترافقت مع اتهامات وُصفت بأنها شكّلت جزءًا من بيئة تمهيدية لاستهداف الصحفيين في الميدان، وفق تقارير حقوقية فلسطينية.
وبحسب الباحث إبراهيم الحاج الذي أجرى دراسة لمركز "صدى سوشال" حول التحريض الممنهج على الصحفي حسن أصليح، فقد وُجهت له عبر تقارير إسرائيلية، كتقرير لمركز "مئير عميت"، اتهامات بالتقاط صورة مع الشهيد يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" في غزة، ما اعتُبر دليلًا على قربه من حركة "حماس"، رغم أن هذه الصور إعلامية بحتة.
تحريض واغتيال
كما زعمت التقارير أنه ظهر في مقطع فيديو وهو يحمل قنبلة يدوية يوم 7 أكتوبر، وهذا ما لم يثبت لا بالصور ولا بمقاطع الفيديو، علمًا أنه لا دلائل على ذلك سوى وجوده بالقرب من المنطقة الحدودية الفاصلة وتصويره للأحداث صباح طوفان الأقصى بعد ساعات من بدئها صبيحة السابع من أكتوبر.
وبعد نشر هذه المزاعم، قامت وكالات أجنبية كـ "سي إن إن" و"أسوشيتد برس" بقطع علاقتهما به، وفقًا لتقارير عبرية. يضاف إلى ذلك موجة تحريض أخرى تضاعفت على الصحفي "أصليح" عقب انتشار هذه التقارير، إذ إن الإعلام الإسرائيلي بدأ بتداول البيانات التي أوردها التقرير كبيانات مسلّم بها، ما دفعه للتنبيه عبر حسابه على منصة "X" من هذه الموجة التحريضية بحقه.
ولحقت تغريدة التنبيه التي نشرها الشهيد أصليح موجة من الخطاب التحريضي الرقمي الإسرائيلي، تمثلت في العديد من التهديدات من حسابات إسرائيلية، من بينها تهديدات قتل مباشر، والتي تضمنت عبارات مثل: "الصاروخ في طريقه إلى رأسك"، وتعليقات أخرى قالت له: "نحن في طريقنا إليك، اهرب واختبئ يا ابن الموت".
هذه العبارة الأخيرة تحديدًا كانت في تغريدة من جندي سابق في الجيش الإسرائيلي اسمه "إسرائيل ديسكيند"، الذي يعرّف نفسه عبر حسابه على منصة "X" بأنه "جندي سابق في كتيبة نيتساح يهودا"، وهي الكتيبة التي ارتكبت عددًا من المجازر خلال الاجتياح البري لغزة خلال العدوان، وبشكل خاص في مشفى الشفاء، كما أنها تُعتبر التشكيل العسكري الإسرائيلي الذي يستوعب العدد الأكبر من المتطرفين الإسرائيليين.
نموذجًا لجيل كامل
يرى صحفيون فلسطينيون أن حسن أصليح لم يكن حالة فردية، بل كان نموذجًا لجيل كامل من الصحفيين الذين عملوا في ظروف بالغة الخطورة داخل قطاع غزة، حيث تحولت المهنة إلى مهمة محفوفة بالموت في ظل استمرار القصف واستهداف الطواقم الإعلامية.
ويؤكد مراقبون أن خسارته لم تكن خسارة شخصية فقط، بل خسارة مهنية وإنسانية للإعلام الفلسطيني، الذي فقد أحد أبرز وجوهه الميدانية القادرة على نقل الصورة من قلب الحدث.
كتب صحفيون وناشطون أن اغتيال أصليح شكّل صدمة كبيرة داخل الأوساط الإعلامية، إذ اعتُبر من أكثر الصحفيين قربًا من الناس، والأكثر حضورًا في تغطية الأحداث اليومية في غزة، بما في ذلك اللحظات الأكثر خطورة.
وقال أحد الصحفيين في رثائه إن: “اغتياله لم يكن فقط بصاروخ، بل سبقه اغتيال معنوي عبر حملات التحريض والتشويه”، فيما اعتبر آخرون أن ما جرى يعكس خطورة استهداف الصحفيين في سياق الحرب.
منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، تحوّل قطاع غزة، بحسب منظمات دولية، إلى أخطر مكان في العالم على الصحفيين. ومع استمرار سقوط الشهداء الصحفيين، ارتفع عدد الصحفيين الذين ارتقوا خلال تغطيتهم الإبادة الإسرائيلية على غزة إلى أكثر من 262 صحفيًا، في واحدة من أكثر الحروب دموية للإعلاميين في التاريخ الحديث.
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن استهداف الصحفيين لم يكن عرضيًا، بل جزءًا من نمط متكرر طال الطواقم الإعلامية والمؤسسات الصحفية.
يرى صحفيون وحقوقيون أن ذكرى حسن أصليح ليست مجرد استذكار لشخص، بل محطة لتأمل واقع الصحافة في غزة، حيث يتحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى هدف مباشر في الميدان، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل حرية الإعلام في مناطق النزاع.
