منذ اندلاع الحرب على غزة أواخر 2023، لم تعد السياسة الأمريكية تُقرأ بوصفها موقفًا تقليديًا داعمًا لإسرائيل فحسب، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا داخل بنية القرار السياسي في الولايات المتحدة. فواشنطن وجدت نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية؛ إذ بات عليها إدارة تحالفاتها الاستراتيجية القديمة من جهة، واحتواء موجة ضغط داخلي متصاعدة من جهة أخرى، وسط مشهد دولي أخذ يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
في السنوات الماضية، اعتادت الإدارات الأمريكية التعامل مع القضية الفلسطينية ضمن إطار ثابت يقوم على حماية أمن إسرائيل وضمان تفوقها الإقليمي، مع الإبقاء على خطاب سياسي يدعو إلى "حل الدولتين" دون ممارسة ضغوط حقيقية تؤدي إلى تسوية نهائية. غير أن حرب غزة بعد 2023 دفعت هذا النهج إلى اختبار صعب؛ لأن حجم الدمار الإنساني والصور القادمة من القطاع خلقا حالة احتجاج داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وهو أمر لم يكن مألوفًا بهذه القوة في الأزمات السابقة.
التحول الأبرز لم يكن فقط في الشارع، بل في الجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، وحتى داخل الحزب الديمقراطي الحاكم. فقد ظهرت أصوات سياسية وشبابية تتحدث بوضوح عن ضرورة إعادة النظر في طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، وربط المساعدات العسكرية باعتبارات حقوق الإنسان والقانون الدولي. هذه الضغوط الداخلية وضعت الإدارة الأمريكية أمام أزمة مزدوجة: فهي لا تريد خسارة حليف استراتيجي يمثل أحد أهم أعمدة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن تجاهل المزاج الشعبي قد ينعكس على مستقبلها السياسي والانتخابي.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم التردد الذي اتسمت به السياسة الأمريكية خلال مراحل الحرب. فمن جهة، استمرت واشنطن في تقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، واستخدمت نفوذها داخل الأمم المتحدة لعرقلة بعض مشاريع القرارات المتعلقة بوقف إطلاق النار، بينما حاولت من جهة أخرى الظهور بمظهر الطرف الساعي إلى "احتواء التصعيد" والدفع نحو إدخال المساعدات الإنسانية. هذا التناقض لم يكن ناتجًا عن ارتباك دبلوماسي فقط، بل يعكس حقيقة الصراع داخل المؤسسة الأمريكية بين منطق التحالفات التقليدية ومنطق الكلفة السياسية والأخلاقية المتزايدة للحرب.
اللافت أيضًا أن الحرب على غزة كشفت تراجع قدرة الولايات المتحدة على احتكار السردية الدولية. فخلال العقود السابقة، كانت واشنطن قادرة إلى حد كبير على توجيه الخطاب الغربي تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لكن ما حدث بعد 2023 أظهر صعود فضاءات إعلامية ورقمية جديدة، أتاحت للرأي العام العالمي متابعة الأحداث بصورة مباشرة، بعيدًا عن الرواية الرسمية التقليدية. وقد أدى ذلك إلى اتساع دائرة الانتقادات الدولية للموقف الأمريكي، خصوصًا في دول الجنوب العالمي التي رأت في السياسة الأمريكية نموذجًا لازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان.
أما على مستوى التحالفات الدولية، فإن إدارة الحرب في غزة لم تكن منفصلة عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع للولايات المتحدة. فواشنطن كانت تنظر إلى الأزمة من زاوية الحفاظ على شبكة تحالفاتها في الشرق الأوسط، ومنع توسع الصراع إقليميًا، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران والبحر الأحمر ولبنان. لذلك حاولت الإدارة الأمريكية الجمع بين دعم إسرائيل عسكريًا، ومنع تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تُربك مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
لكن المشكلة الأعمق التي تواجه السياسة الأمريكية لا تتعلق فقط بإدارة الحرب، بل بما بعدها. فالحرب أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، ومدى قدرة واشنطن على الاستمرار بوصفها "وسيطًا" في عملية السلام، في وقت باتت فيه قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي تنظر إليها باعتبارها طرفًا منحازًا بالكامل. كما أن تصاعد الانقسام داخل المجتمع الأمريكي نفسه بشأن غزة يشير إلى تحولات بعيدة المدى قد تؤثر في طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات المقبلة.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين اعتبارات الداخل والخارج، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحًا أن حرب غزة بعد 2023 لم تكن مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل محطة كشفت حدود القوة الأمريكية، وأظهرت أن التحالفات الدولية لم تعد وحدها كافية لصناعة الشرعية السياسية في عالم باتت فيه الصورة والرأي العام والضغوط الشعبية عوامل مؤثرة في صياغة القرار الدولي بقدر تأثير القوة العسكرية والتحالفات التقليدية.
