في الظاهر، تبدو منصة "جسور نيوز" منصة حوارية عصرية، تُقدَّم بوجه عربي وتتكلم بلغةٍ ناعمة تُغري المتلقي بالانفتاح والتنوّع، لكن خلف هذه الواجهة البراقة، تخفي المنصة خيوط مشروعٍ إعلامي منظّم، تديره شخصيات مرتبطة بدوائر ضغط صهيونية وتمويل أجنبي، هدفه اختراق الوعي العربي وإعادة صياغة السردية الفلسطينية من الداخل.
هذا التحقيق يتتبّع المسار الكامل لتطوّر المنصة منذ تأسيسها وحتى اليوم، ويكشف عبر وثائق وشهادات رقمية كيف تحوّلت من مبادرة حوار إلى ذراع تطبيعية تمارس حربًا نفسية ممنهجة على الجمهور العربي، مستخدمةً أدوات الإعلام الحديث، وتكتيكات التضليل، وشبكات الحسابات الوهمية.
التأصيل: خلفية "جسور" وهديل عويس
منصة "جسور نيوز" ليست مشروعًا وُلد صدفة، بل هي امتداد لمحاولات تطبيعية سابقة فشلت في اختراق الوعي العربي. فقد بدأت عام 2019 تحت اسم "المجلس العربي للاندماج الإقليمي"، ثم غُيّر الاسم سريعًا إلى "المجلس العربي للتكامل الإقليمي" بعد موجة انتقادات لاذعة، ومع استمرار العزلة والسقوط الإعلامي أُعيد تسويقها في مارس 2024 باسمها الحالي: "جسور نيوز"، محاولةً ثالثة لإعادة تدوير المشروع، وهذه المرة في خضم الحرب على غزة.
على رأس هذه المنصة تقف هديل عويس، الصحفية السورية المقيمة في الولايات المتحدة، والتي عُرفت بعلاقاتها الوثيقة مع دوائر ضغط صهيـ.ونية وبأدوارها الإعلامية في تمرير الرواية الإسرائيلية. تقارير وتحقيقات عديدة ربطت اسمها بمحاولات استقطاب كتاب وصحفيين وفنانين عرب نحو مسار التطبيع، مستخدمةً منصة "جسور" كواجهة ناعمة و"عربية الوجه" لمشروع صهيـوني بامتياز.

الاستهداف الممنهج والتقارير المدفوعة
لم تكتفِ منصة "جسور نيوز" بإعادة تدوير خطابها التطبيعي، بل ذهبت نحو استهداف ممنهج ومدفوع الثمن.
تشغّل المنصة منسقًا خاصًا لشؤون غزة يُدعى أمين عابد، مقيم في الإمارات ومتهم علنًا بالعمالة والتنسيق مع جهات مشبوهة. دوره لا يقتصر على التنسيق، بل يتعداه إلى اختيار الأشخاص الذين يظهرون في تقارير "جسور"، وفق معايير محددة مسبقًا.
يُقدَّم لهؤلاء الأشخاص نصوص وأسئلة جاهزة تُلقَّن لهم إجاباتها مسبقًا، ثم تُسجَّل اللقاءات مقابل 300 دولار لكل ظهور، ما يجعلها عملية شراء أصوات أكثر منها ممارسة إعلامية.
هذه السياسة حولت تقارير "جسور" إلى منصة مدفوعة تكرّس رواية الاحتلال على لسان فلسطينيين، وتعيد إنتاج خطاب مصطنع يُحمّل المقاومة وحدها مسؤولية المأساة الإنسانية، متجاهلة الحصار والمجازر. وهكذا تصبح "جسور" أداة تحريض لا تقل خطورة عن أبواق الاحتلال الرسمية، لأنها تلبس خطابها ثوب “الشهادة من الداخل”، بينما هو في الحقيقة تمثيل مأجور وموجَّه.
مقابلات الأهالي: أصوات مُستغلة ومدفوعة
من خلال رصد ميداني لمنشورات "جسور نيوز"، يتكرر نمط محدد في مقابلات مع أهالي غزة: تظهر وجوه نازحين تتحدث عن معاناة شخصية، لكنه في العديد من الحالات يتضح أن هذه اللقاءات ليست عفوية بالكامل بل منظَّمة ومُعدّة سلفًا.
وُثّقت حالات تتشارك في نفس العبارات والصيغ العرضية، أو تظهر فيها إجابات متطابقة على أسئلة مهيكلة، ما يشير بقوة إلى تلقين مسبق أو نصوص جاهزة تُشارك للمُقابَل قبل التسجيل.


الشخصيات المشبوهة: واجهات مُصنَّعة لترويج رواية الاحتلال
لم يقتصر الأمر على استغلال الأهالي، بل امتد إلى استثمار وجوه إعلامية موجهة تُقدَّم بصفة “محللين” أو “نشطاء” لتسويق رواية الاحتلال وتبرئة جرائمه.
هذه الوجوه تُنتقى بعناية، ويُعاد تدويرها مرارًا داخل المنصة ضمن قالب جاهز وخطاب مبرمج يتطابق في مفرداته مع سرديات إعلام العدو.
الأخطر أن “جسور” تتولى تضخيمهم وتسويقهم عبر إرفاق روابط حساباتهم الشخصية والترويج لهم كـ«أصوات حرة من الداخل»، بينما هم أدوات مدفوعة تعمل ضمن شبكة تنسيق إعلامي بتمويل خارجي.
من أبرز هذه الواجهات الناشط أمجد أبو كوش، أحد الأعضاء المعروفين في #شبكة_افيخاي، الذي تعاقد مؤخرًا مع المنصة لإنتاج برنامج ساخر يُهاجم المقاومة ويُشيطنها، متبنّيًا رواية الاحتلال بالحرف.
إن هذا النمط في اختيار الضيوف وصناعة الأسماء المجهولة وتضخيمها هو عملية منظمة لتصنيع رموز وهمية وتشغيلها في الحرب النفسية ضد المقـاومة.

تحليل الأداء وكشف التلاعب
بعد تعقّبٍ وتحليلٍ ممنهجٍ لأداء منصة "جسور نيوز" خلال الشهر الأخير، تبيّن نمطٌ دقيق لتضخيم موجه ومصطنع.
من بين 577 تغريدة نُشرت خلال فترة التحليل، تضمنت 104 تغريدات فقط إشارات إلى (حماس) — أي نحو 18% من إجمالي المحتوى — لكنها استحوذت على أكثر من 61% من المشاهدات و44% من التفاعل الكلي.
تحليل الأداء أظهر أن التغريدات التي تتناول المقاومة مباشرة أو بطريقة مشفّرة تتعرض لتضخيم رقمي ضخم (×4 إلى ×6 عن المعدل الطبيعي)، بينما تبقى مؤشرات التفاعل العضوي منخفضة، ما يكشف تلاعبًا رقميًا مبرمجًا لتوجيه الرأي العام.


شبكة الحسابات الوهمية
تحليل التفاعل كشف وجود شبكة منظّمة من الحسابات الوهمية (ذباب إلكتروني) تعمل بتزامن دقيق.
تبدأ هذه الحسابات بالتفاعل خلال دقائق من نشر أي مادة، وتعيد نشرها بعشرات النسخ بنفس الصيغ.
يحمل معظمها أسماء عشوائية وأرقام متسلسلة، وتتابع بعضها البعض لخلق مصداقية زائفة. اللافت أن هديل عويس تتابع عددًا منها شخصيًا، ما يربطها مباشرة بهذه الشبكة.
ومن أبرز هذه الحسابات التي تم رصدها:
@abw800072 – @Alia23458 – @swrya3486 – @am9965692 – @SlmySalem – @bwl12169702 – @Adamnayef16 – @bwd77xi – @aldwsry50895 – @Said11180 – @MSaheh51301 – @shykhwlyd85 – @HsynLynayf216 – @3maherAbu384142 – @abum01024 – @NwrAlmalky6707.

تضخيم المشاهدات عبر بوتات آلية
لم يقف التلاعب عند الذباب الإلكتروني فحسب، بل شمل بوتات آلية تُضخّم المشاهدات رقميًا.
أظهرت المقارنة بين تغريدات متقاربة زمنيًا اختلافات غير مبررة في عدد المشاهدات مع ثبات معدل التفاعل، ما يؤكد وجود تضخيم اصطناعي لرفع ظهور المنشورات التي تستهدف المقاومة، بهدف خلق وهم بتأييد جماهيري زائف.

ويخلص التحقيق الرقمي، إلى أن ما تكشّف عبر تحليل منصة "جسور نيوز" ليس مجرد انحياز صحفي، بل بنية متكاملة لحرب وعي. تبدأ من قيادة مرتبطة باللوبي الصهيوني، إلى تقارير مدفوعة تُشترى فيها الأصوات، إلى شبكات تضخيم وبوتات آلية — كلها عناصر تشير إلى مشروع منظَّم هدفه شيطنة المقاومة وتبرئة الاحتلال.
كما إن كشف هذه الممارسات والتوثيق لها ليس ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة لحماية الوعي العربي من التضليل، وللتأكيد أن ما تروّجه "جسور" ليس صحافة ولا حوارًا، بل هندسة للرأي العام لصالح الاحتلال.
