تقرير قرارات "الأونروا" التقليصية تفتح النار على موظفيها في غزة والضفة الغربية ومناطق النزوح

صولاة من اعتصام إتحاد موظفين الوكالة اعتراضًا على التقليصات والتسريح

وجد عشرات من موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أنفسهم فجأة بلا عمل، عقب قرارات فصل طالت موظفين غادروا قطاع غزة بحثًا عن الأمان أو العلاج، ليُفاجَأوا بإنهاء خدماتهم وهم خارج القطاع. 
وفي الوقت ذاته، امتدّ وقع الأزمة إلى الضفة الغربية، حيث واجه موظفو الوكالة قرارات بتقليص الرواتب وتسريحات وظيفية، في مشهد إنساني قاسٍ يعكس عمق المأزق الذي تعيشه الأونروا، ويضع العاملين فيها في مواجهة مباشرة مع فقدان مصدر رزقهم واستقرارهم المعيشي.

عبء إنساني جديد

هذه الإجراءات لم تمسّ أفرادًا فقط، بل طالت عائلات بأكملها، بعضها يعيش أصلًا تحت ضغط النزوح والفقد وارتفاع تكاليف المعيشة، لتتحول الأزمة المالية للوكالة إلى عبء إنساني جديد يُضاف إلى سلسلة المعاناة الفلسطينية. 
وبين موظفين وجدوا أنفسهم عالقين خارج غزة بلا عمل، وآخرين في الضفة الغربية يواجهون اقتطاعات قاسية تهدد قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، تتكشف أزمة الأونروا اليوم بوصفها أزمة إنسانية قبل أن تكون أزمة أرقام وميزانيات.

تقول نجلاء الحلاق لـ"شهاب" ، معلمة في برنامج التعليم بوكالة أونروا: "اضطررتُ لمغادرة غزة لاستكمال علاج طفلي البالغ من العمر خمس سنوات والمصاب باللوكيميا، بعد فتح جسور التحويلات الطبية لأطفال السرطان من الدول المحيطة."

وتضيف انعدم العلاج داخل غزة بشكل كامل، وكل يوم يمر كان يهدد حياته، إلى جانب آلاف من مرضى السرطان، إلى أن حانت الفرصة بحصوله على تحويلة طبية إلى أحد مستشفيات القاهرة، والتي كانت بمثابة ترحيل قسري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل تحولت إلى سجن كبير يُسمّى الإقامة العلاجية الإجبارية داخل مستشفيات القاهرة.

على رأس عملنا

وتوضح نجلاء أنها واصلت تقديم الدروس عبر التعليم عن بُعد، كما هو متعارف عليه في سير العملية التعليمية خلال الإبادة، قائلة: "كنت أراجع الواجبات وأرسل التغذية الراجعة يوميًا، أستيقظ قبل الفجر لإعداد الدروس، وأتابع مضاعفات العلاج لابني، في واحدة من أصعب مراحل الضغط الجسدي والنفسي التي أمرّ بها كأم ومدرسة في آنٍ واحد."

وتعلق على قرار فصلها بالقول:" قرار الفصل أصابني بصدمة، فقدان الراتب يعني صعوبة تغطية مصاريف العلاج والسكن والمواصلات، نحن موظفون ملتزمون، نؤدي واجبنا عن بُعد، وفصلنا بهذه الطريقة التعسفية يضعنا في مواجهة مباشرة مع تحديات إنسانية واقتصادية قاسية."

بدورها تقول نجوان العرابيد، موظفة في البرنامج الإغاثي بوكالة أونروا تعرضتُ أنا وعائلتي لقصف مباشر، واضطررنا فورًا لمغادرة غزة لتلقي العلاج في مصر، بعضنا كان في العناية المركزة، وقرار السفر للعلاج لم يكن شخصيًا ولا اختياريًا".

وتضيف وصلنا إلى مصر، ومع ذلك واصلت عملي الإغاثي عن بُعد، ورغم إصابتي البليغة وإصابة جميع أفراد عائلتي، تابعت توزيع المساعدات والتنسيق مع الفرق في غزة، في ظل ضغوط نفسية وجسدية تطغى على كل تفاصيل حياتنا اليومية.

وتوضح لـ"شهاب" نحن موظفون ملتزمون، نقدّم كل ما نستطيع من أجل دعم أهلنا في غزة، والفصل من الوظيفة هو محاربة مباشرة في لقمة العيش في ظل النزوح الذي نعيشه، ويضاعف من معاناتنا في الغربة القسرية. 

تواطؤًا واضحًا

كما أن هذا القرار يمثل تواطؤًا واضحًا، خاصة وأن الجميع يدرك أن العودة إلى غزة والالتزام بالبرنامج الوظيفي بات قرارًا دوليًا لا يرتبط بخياراتنا الشخصية.

من جهته يقول علاء أبو سلامة، مهندس وموظف سابق في المقر الإداري لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين في غزة:" انهيار المنازل على رؤوس ساكنيها بسبب القصف العشوائي أجبرنا على النزوح القسري إلى مصر، فالبقاء كان يعني الموت".

ويتابع:"وصلنا إلى مصر وواصلت عملي كمهندس، أتابع تفاصيل عملي كما لو أنني جالس داخل مكتبي في مقر العمل بغزة، وحتى زملائي الذين ما زالوا داخل القطاع يعملون بالآلية ذاتها".

ويشير إلى أن قرار الفصل التعسفي سيفاقم أزمة النزوح والغربة القسرية، موضحًا أن غياب الراتب يجعل من الصعب تأمين متطلبات المعيشة الأساسية، خاصة أن العودة مرتبطة بفتح معبر رفح وليس بالرغبة الشخصية، في ظل سياسات الاحتلال.

"حالة نزاع"


رفضًا لقرار فصل نحو 600 موظف وموظفة من قطاع غزة، ممن غادروه خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة بحثًا عن الأمان والعلاج  في خطوة قاسية وغير إنسانية وتفتقر إلى أبسط معايير العدالة الوظيفية يقول رئيس اتحاد الموظفين العرب في وكالة أونروا، مصطفى الغول:" أن الاتحاد يتجه رسميًا إلى "حالة نزاع" عمل مع إدارة الوكالة، عقب انقضاء المهلة القانونية البالغة 21 يومًا وفق أنظمتها".
مؤكدًا أن باب الحوار لا يزال مفتوحًا خلال هذه الفترة على أمل التوصل إلى تفاهمات تضمن إعادة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم.

وأوضح الغول أن تجاهل مطالب العاملين قد يدفع إلى تصعيد الاحتجاجات، وصولًا إلى الإضرابات والمسيرات والاعتصامات، إضافة إلى اللجوء للمسارات القانونية والمؤسساتية، مشيرًا إلى أن خطوات مساءلة قانونية قد انطلقت بالفعل.

وأكد أن قرارات إنهاء الخدمة طُبّقت بصورة جماعية ودون مراعاة الظروف الإنسانية القاسية أو اتباع المسارات القانونية السليمة، محذرًا من أن الاستمرار في هذه السياسة سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية في مجتمع يعاني أصلًا من الحصار وعدم الاستقرار.
وأضاف أن قرار إنهاء خدمات ما يقارب 600 موظف يعتبر "إعدامًا وظيفيًا" وسابقة خطيرة تهدد الأمان الوظيفي داخل الوكالة.
وفي الضفة الغربية، أفاد صلاح رشيد، الناطق باسم الاتحاد العام للعاملين في أونروا، بأن الاتحاد دخل في نزاع عمل مع إدارة الوكالة على خلفية قرارات شملت اقتطاع 20% من رواتب الموظفين وتنفيذ تسريحات جماعية.
وأوضح أن الخصومات ستبدأ اعتبارًا من مطلع شباط/فبراير وحتى إشعار آخر، مشيرًا إلى تنفيذ قرارات فصل طالت 650 موظفًا في قطاع غزة، وأربعة موظفين في الضفة الغربية، إضافة إلى إنهاء خدمات طواقم الحراسة في المقر الرئيسي بالأردن.

ووصف رشيد هذه الإجراءات بأنها غير مسبوقة، مؤكدًا أنها اتُخذت بشكل أحادي دون الرجوع إلى الاتحادات العمالية، وشدد على أن المساس برواتب الموظفين يُعد خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

مزيد من التعقيد

وأكد أن الاتحاد يعمل على حماية حقوق الموظفين وضمان استمرارية الخدمات للاجئين، لافتًا إلى أن الموظفين سيواصلون أداء مهامهم دون تقليص ساعات العمل، حرصًا على عدم الإضرار بالمستفيدين.
وحذّر من أن الأزمة تتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة، ما يزيد الأعباء الاقتصادية على الموظفين، مطالبًا إدارة الوكالة بالبحث عن بدائل مالية لا تمس حقوق العاملين.
وتحذّر مصادر فلسطينية من أن أزمة الأونروا مرشّحة لمزيد من التعقيد، في ظل مؤشرات توحي بأن ما يجري يتجاوز معالجة عجز مالي طارئ، ليمسّ جوهر وجود الوكالة ودورها التاريخي.
فاستمرار تقليص الرواتب وتسريح الموظفين، خاصة في مناطق الهشاشة العالية، قد يؤدي إلى تفكيك بنيتها التشغيلية وإضعاف قدرتها على تقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.

وتزداد هذه المخاوف مع اقتراب انتهاء ولاية المفوض العام للأونروا في آذار/مارس 2026، في ظل غياب ضمانات تمويل مستدام، واستمرار الضغوط السياسية التي تستهدف إعادة تعريف دور الوكالة أو تقليصه، بما يهدد حق العودة ويُفاقم الأزمات الإنسانية والاجتماعية في المنطقة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة