خاص _ شهاب
في خطوة تعكس تصاعد الانخراط الأمريكي المباشر في ملف غزة، جاء الإعلان عن تشكيل مجلس للسلام إلى جانب مجلس تنفيذي يضم أطرافًا إقليمية فاعلة، في وقت تعتبر فيه الإدارة الأمريكية نجاح خطتها في القطاع اختبارًا حاسمًا لمصداقيتها الدولية وقدرتها على لعب دور الوسيط في أزمات الشرق الأوسط.
هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدور "الإسرائيلي"، وحدود استقلالية القرار السياسي في "تل أبيب"، فضلًا عن مآلات المرحلة الثانية من التفاهمات المرتبطة بغزة، في ظل تعقيدات داخلية "إسرائيلية" وضغوط دولية متزايدة.
خطة لحسم مصداقية أمريكا
المختص في الشأن "الإسرائيلي" عادل ياسين قال إن الإعلان عن تشكيل مجلس للسلام إلى جانب مجلس تنفيذي يضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يعكس إصرار الإدارة الأمريكية على إنجاح خطتها في قطاع غزة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لتمرير رؤيتها الشاملة للشرق الأوسط.
وأوضح ياسين خلال تحليل خاص لوكالة "شهاب"، أن واشنطن تنظر إلى نجاح خطتها في غزة بوصفه اختبارًا حاسمًا لمصداقيتها وسمعتها الدولية، محذرًا من أن فشل هذه الخطة سيؤدي إلى تآكل ثقة المجتمع الدولي بقدرة الولايات المتحدة على لعب دور الوسيط في أي صراعات مستقبلية.
وأشار إلى أن ضم وزير الخارجية التركي إلى المجلس يتعارض مع الرغبة "الإسرائيلية"، ما يعكس—بحسب تعبيره—تراجع استقلالية القرار "الإسرائيلي"، وتحول "إسرائيل" عمليًا إلى العمل تحت وصاية أمريكية سياسية وميدانية.
وأضاف ياسين أن هذا التحول تجلّى بوضوح على أرض الواقع عندما تولت الإدارة الأمريكية ملف المساعدات الإنسانية، ومنعت "إسرائيل" من استخدامها كورقة ضغط، لافتًا إلى أن الحراك الشعبي الأوروبي كان عاملًا مؤثرًا في هذا المسار.
وفي المقابل، حذّر ياسين من أن حكومة بنيامين نتنياهو لن تقف مكتوفة الأيدي، متوقعًا أن تسعى إلى وضع العراقيل والمماطلة في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من الاتفاق، مع محاولة ابتزاز الإدارة الأمريكية عبر توظيف دورها الوظيفي في المنطقة، ضمن حدود لا تتعارض مع المصالح الأمريكية العليا.
وبين ياسين أن الانتقال إلى المرحلة الثانية، بما يشمل انسحاب "إسرائيل" إلى «الخط الأحمر» والبدء—ولو بشكل رمزي—في ترميم قطاع غزة قبل إعادة جثة جفيلي، لا يخدم مصلحة نتنياهو السياسية، معتبرًا أن رئيس الحكومة "الإسرائيلية" يخوض سباقًا مع الزمن، في ظل احتدام المعركة الانتخابية الداخلية يومًا بعد يوم.
"إسرائيل" تفرغ أي مسار سياسي في غزة
وفي السياق ذاته قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد شديد إن أخطر ما يواجه أي مسار سياسي مطروح لغزة هو فشل الإعلانات الدولية في منع "إسرائيل" من فرض وقائع ميدانية جديدة، ما يحوّل أي أطر سياسية أو إدارية إلى هياكل بلا تأثير فعلي.
وأكد شديد خلال تحليل خاص "شهاب"، أن "إسرائيل" لم تلتزم ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق، سواء في ما يتعلق بفتح المعابر وإدخال المساعدات، أو بوقف الخروقات الميدانية، مشيرًا إلى سقوط أكثر من 400 شهيد خلال الأشهر الأربعة الماضية، في ظل توسّع الانتشار العسكري داخل القطاع بدل الانسحاب إلى ما بعد الخط الأصفر.
وأضاف أن غياب قوة الاستقرار الدولية يمثّل خللًا خطيرًا في تطبيق الاتفاق، ويكشف استمرار التعامل مع غزة كملف «إدارة أزمة» لا كمشروع حل سياسي حقيقي، في وقت تعمل فيه "إسرائيل" بشكل منهجي على تعطيل أي دور وظيفي لأي جسم إداري أو سياسي مستقبلي.
وأوضح شديد أن الإعلان عن مجلس السلام واللجنة الإدارية جاء استجابة لضغوط عربية على واشنطن، لكنه يظل خطوة شكلية تفتقر لأدوات التنفيذ، محذرًا من أن "إسرائيل" تسعى لربط الانسحاب وإعادة الإعمار بملفات أمنية وسياسية، أبرزها سلاح المقاومة وملف الجنود، بهدف ترسيخ واقع دائم.
وختم بالقول إن التجربة تؤكد أن "المؤقت" في العقلية "الإسرائيلية" يتحول إلى دائم، ما يهدد مستقبل غزة ويقوّض أي مسار سياسي قادم.
في المحصلة، تكشف المعطيات على الأرض أن قطاع غزة يقف أمام لحظة مفصلية، حيث تتقدّم الوقائع الميدانية "الإسرائيلية" على أي مسارات سياسية معلنة، ما يهدد بتحويل الاتفاقات والأطر المطروحة إلى عناوين بلا مضمون.
وبين غياب أدوات التنفيذ، واستمرار سياسة فرض الأمر الواقع، يبقى مستقبل غزة رهينة صراع الإرادات، وسط تحذيرات من أن ترسيخ "المؤقت" كحل دائم قد يُغلق الباب أمام أي أفق سياسي حقيقي، ويحوّل القطاع إلى أزمة مفتوحة بلا نهاية.
