تقرير / شهاب
يعيش سكان بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، حالة دائمة من القلق والترقب، بعدما أصبح فقدان المنزل احتمالاً حاضراً في حياة كثير من العائلات الفلسطينية. فكل قرار قضائي جديد قد يحمل في طياته تهديداً بطرد عائلة من بيتها، فيما قد يتحول أي تشقق يظهر في جدار منزل إلى إنذار بانهيار محتمل يفرض على سكانه مغادرته قسراً.
وبين خطر الإخلاء الذي تفرضه قرارات المحاكم الإسرائيلية، والانهيارات التي تضرب بعض المنازل نتيجة الحفريات في باطن الأرض، يجد الفلسطينيون في سلوان أنفسهم أمام معركة يومية للحفاظ على منازلهم والبقاء في أحيائهم. ومع بداية عام 2026، تتزايد هذه الضغوط بوتيرة لافتة، لتجعل من البلدة واحدة من أكثر مناطق القدس المحتلة عرضة لسياسات التهجير القسري ومحاولات تغيير الواقع الديمغرافي فيها.
ساحة صراع طويل
وتُعد سلوان واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية استهدافاً في القدس المحتلة، نظراً لموقعها الجغرافي الملاصق للبلدة القديمة والمسجد الأقصى، ما جعلها ساحة رئيسية لصراع طويل بين السكان الفلسطينيين والجمعيات الاستيطانية التي تسعى إلى السيطرة على العقارات والأراضي في المنطقة.
في حي بطن الهوى، أحد أبرز أحياء سلوان وأكثرها تعرضاً لمحاولات السيطرة الاستيطانية، تعيش عشرات العائلات الفلسطينية حالة ترقب دائم لقرارات الإخلاء التي قد تصدر بحقها في أي لحظة.
ومن بين هذه العائلات عائلة البصبوص المقدسية، التي تواجه خطر الطرد من منزلها الذي تسكنه منذ عقود. وتخوض العائلة معركة قانونية طويلة أمام المحاكم الإسرائيلية، بعد أن تقدمت جمعية استيطانية بدعوى تطالب فيها بإخلاء المنزل، استناداً إلى ادعاء ملكية الأرض التي أقيم عليها العقار.
وتشير الروايات التي نقلت عن العائلة إلى أن المنزل يضم أربع شقق سكنية تقيم فيها عدة أسر من العائلة نفسها، ما يعني أن تنفيذ قرار الإخلاء سيؤدي إلى تشريد عدد من الأسر دفعة واحدة.
وتقول العائلة إن جذورها في المنطقة تعود إلى عقود طويلة، إذ استقرت في سلوان منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أن ذلك لم يمنع الجمعيات الاستيطانية من المطالبة بإخلائها عبر المحاكم الإسرائيلية، مستندة إلى ادعاءات بملكية الأرض تعود إلى يهود يمنيين عاشوا في المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر.
ولا تقتصر قضية الإخلاء على عائلة البصبوص فقط، إذ تشير المعطيات إلى أن حي بطن الهوى شهد بالفعل تهجير عدد من العائلات الفلسطينية خلال السنوات الماضية، فيما لا تزال عشرات العائلات الأخرى تواجه خطر المصير ذاته.
ووفق المعطيات التي جرى تداولها في تقارير صحفية خلال مطلع عام 2026، فقد تم بالفعل تهجير سبع عائلات فلسطينية من الحي، بينما تنتظر نحو 22 عائلة أخرى قرارات الإخلاء التي قد تصدر في أي وقت.
وفي ديسمبر الماضي، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن نحو 175 فلسطينيًا في حي بطن الهوى يواجهون خطر التهجير الوشيك، واصفة ذلك بأنه "أكبر عملية طرد منسّقة لحي فلسطيني منذ احتلال القدس عام 1967".
وأشار التقرير إلى أن الحي، الواقع على بُعد أقل من ميل جنوبي البلدة القديمة، يُستهدف منذ سنوات من قبل منظمات يمينية إسرائيلية، أبرزها جمعية عطيرات كوهانيم.
وحسب رصد الغارديان، تستند هذه المنظمات إلى حجة تقول إن الحي بُنِي على أرض وقف خيري أنشأه يهود يمنيون في أواخر القرن التاسع عشر، وأُجلي سكانه في ثلاثينيات القرن الماضي. وبعد إعادة تنشيط الوقف قبل نحو عقدين، نجح محاموه في إقناع المحاكم الإسرائيلية بأن ملكيته السابقة تتفوّق على أي ملكيات لاحقة، مستفيدين من قانون إسرائيلي صادر عام 1970. كما حصل الوقف على ملكية بعض المباني عبر صفقات مع مالكيها، في ظروف لا تزال غامضة وموضع جدل.
وأشار التقرير كذلك إلى أن جمعية عطيرات كوهانيم، التي تصف نفسها بأنها "الرائدة في استرداد الأراضي الحضرية بالقدس"، نجحت في إسكان نحو 40 عائلة يهودية في الحي.
وتسعى الجمعيات الاستيطانية، من خلال هذه الدعاوى، إلى السيطرة على مساحة تقدر بنحو خمسة دونمات ومئتي متر مربع من أراضي حي بطن الهوى، في خطوة تهدف إلى توسيع الوجود الاستيطاني في المنطقة الواقعة على مسافة قريبة جداً من المسجد الأقصى.
انهيارات مفاجئة
إلى جانب التهديدات القانونية بالإخلاء، يواجه سكان سلوان خطراً آخر يتمثل في الانهيارات التي بدأت تطاول بعض المنازل نتيجة الحفريات الإسرائيلية في باطن الأرض.
ففي يناير 2026 اضطرت ثلاث عائلات مقدسية من عائلة أبو صبيح إلى إخلاء منازلها في البلدة، بعد وقوع انهيارات مفاجئة في أحد المباني السكنية.
وبحسب المواطن فواز أبو صبيح، بدأت الحادثة عندما انهارت غرفة داخل أحد المنازل بعد سقوط جدار استنادي، الأمر الذي أدى إلى تصدع أجزاء من المبنى وإثارة حالة من الذعر بين السكان.
ويؤكد أبو صبيح أن هذه التشققات لم تظهر بشكل مفاجئ، بل سبقتها تحذيرات عديدة أطلقها الأهالي بعد ملاحظتهم تغيرات في بنية المنازل وتصدعات في الجدران، مرجحين أن تكون هذه الأضرار نتيجة الحفريات الإسرائيلية التي تجري في محيط المنطقة وتحتها.
ويقول السكان إنهم توجهوا أكثر من مرة إلى الجهات المعنية في بلدية الاحتلال مطالبين بفحص المنازل ومعالجة الأضرار، إلا أن هذه المطالب لم تلق استجابة فعلية، الأمر الذي جعل الانهيارات تتحول إلى تهديد حقيقي لحياة السكان.
من جانبها، حذّرت محافظة القدس من التغييرات التي رُصدت مؤخراً على الخرائط المعروضة في موقع بلدية الاحتلال في القدس، والتي أظهرت تعديلاً في التقسيمات التخطيطية التي تفرضها سلطات الاحتلال على بلدة سلوان جنوب القدس، بما يشير إلى تقليص مساحتها وإعادة إلحاق أجزاء منها، ولا سيما منطقة وادي حلوة، ضمن المنطقة التي تسميها سلطات الاحتلال "مدينة داوود"، والتي تُقدَّر مساحتها بنحو 333.76 دونماً.
وأوضحت المحافظة أن هذا التصنيف الجديد "يندرج في إطار تحويل أجزاء من البلدة إلى نطاق سياحي وأثري تقوده مشاريع استيطانية، الأمر الذي يؤدي عملياً إلى تقليص الحيز الحضري الفلسطيني لسلوان، ويحمل تبعات مباشرة على تخطيط استعمالات الأراضي ومستوى الخدمات البلدية المقدمة للسكان، إضافة إلى التأثير في الرواية التاريخية والتراثية للمكان".
وأكدت محافظة القدس أن التقسيمات، أو ما يسمى "الحدود البلدية" التي يفرضها الاحتلال في مدينة القدس، "هي إجراءات أحادية وغير شرعية تهدف إلى إعادة تشكيل الحيز المكاني والديمغرافي في القدس الشرقية بما يخدم المشاريع الاستيطانية".
وشددت محافظة القدس على أن ما يجري "يعكس مساراً أعمق من إعادة الهيكلة المكانية والسياسية في المدينة، من خلال إعادة تعريف الأحياء وربطها بإطار تراثي وأثري يخدم الرواية الاستيطانية، خصوصاً في المناطق المتصلة بالبلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى المبارك، وما يسميه الاحتلال الحوض المقدس".
وأشارت محافظة القدس إلى أن بلدة سلوان تُعد من أعرق البلدات الفلسطينية في القدس، وتقع مباشرة إلى الجنوب من المسجد الأقصى، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين، حيث شكّلت إحدى النوى التاريخية التي نشأت حولها مدينة القدس، كما عُرفت بدورها في حماية الامتداد الجنوبي للبلدة القديمة، ما أكسبها لقب "حامية القدس". غير أنها تتعرض منذ احتلال القدس عام 1967 لسياسات تهويد متواصلة تستهدف تغيير طابعها الديمغرافي والجغرافي عبر مصادرة الأراضي والاستيلاء على المنازل لصالح الجمعيات الاستيطانية.
باطلة وغير شرعية
وبيّنت المحافظة أن بلدة سلوان كانت تمتد قبل احتلال عام 1967 على مساحة تقارب 5640 دونماً، إلا أن سياسات المصادرة والاستيطان قلّصت مساحتها، بعد أن صادرت سلطات الاحتلال مساحات واسعة من أراضيها وأقامت عليها مشاريع استيطانية، كما تستهدف الجمعيات الاستيطانية البلدة بمشاريع أثرية وسياحية تُستخدم غطاءً للسيطرة على الأرض وفرض رواية توراتية مزعومة حول ما يسمى "مدينة داوود".
وشددت محافظة القدس على أن جميع إجراءات الاحتلال في القدس "باطلة وغير شرعية بموجب القانون الدولي، ولن تنشئ للاحتلال أي حق في المدينة مهما بلغ حجمها أو عمقها".
وأكدت أن هذه السياسات التي تستهدف القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية وترتقي إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية "لن تنجح في كسر صمود المقدسيين أو اقتلاعهم من أرضهم، في ظل تمسّكهم بحقهم في مدينتهم وهويتهم التاريخية والوطنية".
ومع اتساع التشققات في المبنى، اضطرت العائلات المقيمة فيه إلى إخلائه بشكل عاجل خوفاً من انهياره بالكامل، فيما امتد القلق إلى المنازل المجاورة التي بدأت تظهر فيها أيضاً تشققات في الجدران والأرضيات.
