تقرير / شهاب
بين غرف العلاج الكيماوي من السرطان، وأروقة المستشفيات والعيادات الطبية وأسرة العزل الدائمة، يعيش الأطفال الغزيون في مصر معاناة مضاعفة، تجمع بين ألم المرض ومشاعر الخوف والغربة والحزن، نتيجة فقدان حضن الأب الذي لم يتمكن من مرافقتهم بسبب إغلاق المعابر والحصار.
فيما تعيش أمهات الأطفال المرضى تجربة قاسية ومتفاقمة، يحملن عبء الأم والأب معًا، في محاولات يائسة لتخفيف قسوة المرض عن أطفالهن، ولدرء شعور الأطفال بالألم والخوف، وفي ظل هذه الظروف، التي قد تتفاقم لأكثر من عامين، يسعين جاهدات لمنح أطفالهن الأمان والطمأنينة وسط رحلة علاجية طويلة وشاقة في بلد غريب، حيث تتكشف يوميًا صعوبات المرض والغربة والوحدة في آن واحد.
خسارات كبيرة
تستعيد جدة الطفل عزيز حمدان واحدة من أكثر الرحلات قسوة في حياتها، حين اضطرت قبل عامين إلى مغادرة قطاع غزة متجهة إلى مصر بحثًا عن فرصة لعلاجه من السرطان.
تقول الجدة إن عزيز خرج من غزة في عمر كان لا يزال فيه متعلقًا بحضن والديه، لكنه لم يكن يعلم أن الحرب التي اندلعت في تلك الأيام ستسرق منه هذا الحضن إلى الأبد. ففي الأيام الأولى للحرب، استشهد والداه، بينما بقيت والدته عالقة في قطاع غزة بعد إغلاق المعابر، غير قادرة على اللحاق بطفلها أو مرافقته في رحلة العلاج الطويلة.
وتضيف أن حفيدها كان يقضي ساعات طويلة داخل غرف العلاج أو في أروقة المستشفى، بينما يبحث بعينيه الصغيرتين عن وجه مألوف يمنحه شعورًا بالأمان.
وتصف الجدة أصعب اللحظات خلال فترة العلاج، حين كان الطفل يمر بنوبات ألم شديدة بعد جلسات العلاج الكيميائي، أو حين يستيقظ ليلًا خائفًا داخل غرفة المستشفى. وتقول إن تلك اللحظات كانت تكشف حجم العجز الذي يشعر به طفل صغير لا يفهم لماذا يمر بكل هذا الألم.
وتوضح أن فقدان والديه ترك أثرًا عميقًا في نفسية الطفل، إذ لم يكن الأمر مجرد مرض يحتاج إلى علاج، بل تجربة قاسية لطفل فقد مصدر الأمان الأساسي في حياته.
منوهة أن عزيز يبلغ أربعة أعوام الآن، وقد أنهى مرحلة العلاج الكيميائي بعد رحلة طويلة من المعاناة، إلا أن تلك العامين من المعاناة تركت آثارها في ذاكرة طفل بدأ حياته بمواجهة خسارات تفوق بكثير ما يمكن لطفل في مثل عمره أن يتحمله.
فيما اضطر الطفل ياسين طبيل إلى مغادرة قطاع غزة متجهًا إلى مصر لتلقي العلاج من السرطان قبل عامين كاملين، لكن تلك الرحلة حملت معها أيضًا تجربة قاسية من الفراق، بعدما اضطر إلى الابتعاد عن والده الذي بقي في غزة بسبب القيود المفروضة على التحويلات الطبية.
توضح والدة ياسين أن نظام التحويلات الطبية يشترط أن يرافق الطفل المريض أحد والديه فقط، وغالبًا ما تكون الأم هي المرافقة.
وتقول الأم إن أصعب ما يواجه طفلها خلال رحلة العلاج ليس فقط الألم الجسدي الناتج عن المرض أو جلسات العلاج، بل غياب والده في اللحظات التي يحتاج فيها إلى دعمه النفسي.

فراغًا نفسيًا واضحًا
وتوضح أن طفلها لا يستطيع فهم الأسباب التي تمنع والده من الحضور، فالأطفال في مثل عمره لا يدركون معنى إغلاق المعابر أو الحصار المفروض على غزة، ولا يفهمون تعقيدات الحرب والقيود التي تفرضها.
وتشير الأم إلى أن غياب الأب يترك فراغًا نفسيًا واضحًا في حياة الطفل، خاصة خلال الأيام الصعبة التي تعقب جلسات العلاج، حين يشعر بالإرهاق أو الخوف ويحتاج إلى من يخفف عنه.
وفي تلك اللحظات، تحاول الأم أن تعوض جزءًا من هذا الغياب، لكنها تعترف بأن المهمة ليست سهلة، فهي تواجه القلق والخوف وحدها، بينما تحاول في الوقت نفسه أن تبدو قوية أمام طفلها.
أما والدة الطفل أحمد شراب، البالغ من العمر 11 عامًا، فتواجه رحلة علاج شاقة في مصر، بعد إصابة ابنها بسرطان الدماغ، وهو مرض شرس ترك تأثيرات قاسية على جسده وقدرته على الحركة.
وتقول إن ابنها لم يعد قادرًا على التنقل كما كان من قبل، الأمر الذي يضطرها إلى حمله في كثير من الأحيان، سواء أثناء وجودهما في المستشفى أو خلال تنقلاتهما بين العيادات الطبية والمراكز العلاجية المختلفة في القاهرة.
جسدي لم يعد يحتمل
وتشير إلى أن التنقل داخل مدينة كبيرة ومزدحمة مثل القاهرة يمثل تحديًا يوميًا بالنسبة لها، خاصة أنها تضطر إلى البحث باستمرار عن أطباء متخصصين أو مراكز طبية للحصول على العلاج المناسب أو الجرعات المقررة.
وتوضح أن رحلة العلاج لا تقتصر على جلسات العلاج داخل المستشفى، بل تشمل أيضًا فحوصات متكررة ومواعيد طبية مختلفة، ما يعني تنقلًا دائمًا داخل المدينة.
وتتابع: "أحيانًا أشعر أن جسدي لم يعد يحتمل حمله كل هذا الوقت، لكنني أعرف أنه لا خيار أمامي سوى الاستمرار".
وتقول إن التعب الجسدي الذي تعانيه يرافقه أيضًا ضغط نفسي كبير، فهي تحاول أن تبقى قوية أمام طفلها الذي يواجه مرضًا قاسيًا غيّر الكثير من تفاصيل حياته اليومية.
لم تلتزم عائلات أطفال السرطان في مصر الصمت حيال معاناة أبنائها، بل بادروا بكافة الوسائل لرفع الصوت وتسليط الضوء على المعاناة اليومية التي يواجهها أطفالهم. وقد وجهت هذه العائلات مناشدات ورسائل عاجلة إلى كافة الجهات المختصة في مصر والدول العربية والدولية، إضافة إلى مراسلة المراكز الحقوقية والمنظمات الإنسانية الدولية، مطالبتهم بالضغط لضمان توفير الدعم النفسي والحقوقي للأطفال وذويهم خلال فترة العلاج.
وتأتي هذه المناشدات في سياق مأساوي حقيقي، إذ توفي عشرات الأطفال أثناء رحلة العلاج، وغُيبوا عن أنظار ذويهم، ليدفنوا في باطن الأرض دون أن يحظى آباؤهم بلحظة وداع أو فرصة لتوديع أبنائهم قبل رحيلهم.
ويشير أولياء الأمور إلى أن هذه المأساة تفاقم الألم النفسي للأطفال المرضى، مؤكدين ضرورة تدخل الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية لضمان مرافقة الأهل خلال العلاج، ومنع تكرار هذه الخسائر الإنسانية المأساوية.
من جانبها، توضح أخصائية علم النفس ختام أبو عودة أن الأطفال الفلسطينيين الذين يخضعون لعلاج السرطان في مصر في غياب أحد الوالدين، وخصوصًا الأب، يعيشون معاناة نفسية مركبة لا تقل قسوة عن مرض السرطان نفسه.
وتقول: "الطفل في مثل هذا العمر الصغير يحتاج إلى شعور دائم بالأمان والاطمئنان، وحضور الأب يمثل ركيزة أساسية من هذا الأمان، وغياب الأب لا يعني فقط فقدان شخص، بل يخلق شعورًا بالغربة والعزلة وسط أروقة المستشفى التي قد تكون مخيفة بالنسبة له، فالطفل يواجه الألم والخوف بمفرده، ويشعر بالوحدة حتى مع وجود الأم بجانبه، لأن فقدان الأب يترك فراغًا نفسيًا عميقًا".
وتضيف أبو عودة أن الأطفال يظهرون تأثيرات واضحة نتيجة هذا الغياب: "العديد منهم يرفضون التعاون مع الأطباء، أو يعبرون عن خوفهم ببكاء شديد ومفاجئ، أحيانًا صامت لكنه يحمل في طياته شعورًا عميقًا بالعجز. الأطفال الأكبر سنًا يسألون باستمرار عن سبب غياب والدهم، ويحملون في أعينهم أسئلة لا يعرف أحد كيف يجيب عنها، وهذا يزيد شعورهم بالقلق ويثقل كاهلهم النفسي".

عبئًا نفسيًا وجسديًا
وتتابع: "أمهات الأطفال المرضى يتحملن عبئًا نفسيًا وجسديًا هائلًا. بين متابعة جلسات العلاج والتنقل بين المستشفيات في بلد غريب، وتحمل مسؤولية الطمأنة والاعتناء بالطفل في لحظات الألم والخوف، تتعرض الأم لضغط مستمر قد يؤدي إلى إرهاق شديد واضطرابات في النوم وشعور بالعجز أحيانًا".
وتضيف أن هذه التجربة تترك آثارًا طويلة المدى على الأطفال: "فالأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين خلال مراحل العلاج الأولى معرضون لاحقًا لمشاعر القلق والاكتئاب، وصعوبة في بناء علاقات الثقة والتعلق الآمن بالآخرين. كذلك، قد تتأثر قدرتهم على مواجهة الضغوط والألم مستقبلاً، وقد يرافقهم شعور بالوحدة والعجز النفسي لفترات طويلة".
وتؤكد ما يعيشه هؤلاء الأطفال ليس مجرد رحلة علاج، بل تجربة فقد مزدوج: فقدان الصحة وفقدان حضن الأب. وهذا الألم النفسي يعمق صعوبة المرض، ويترك آثارًا في نمو الطفل النفسي والاجتماعي مدى الحياة. لذلك، لا يمكن فصل الجانب النفسي عن الجانب الجسدي للعلاج، ويجب أن يكون محور اهتمام المجتمع والأطباء والدعم النفسي المستمر.
