بالصور على أنقاض المساجد.. غزة تستعيد ليالي الاعتكاف بعد سنوات من حرمان الحرب

جانب من ليالي الاعتكاف

على أنقاض المساجد المدمرة، وداخل مصليات مؤقتة شُيّدت من النايلون والصفيح بين خيام النازحين، يحيي أهالي قطاع غزة ليالي الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد يعكس تمسكهم بشعائرهم الدينية رغم تدمير الاحتلال الإسرائيلي لما يزيد عن 93% من مساجد القطاع.

ومع دخول هذه الليالي المباركة، عاد المصلون إلى ما تبقى من مساجدهم أو إلى مصليات أقيمت على عجل بين الركام ومخيمات النزوح، لإحياء صلاة القيام والاعتكاف، بعد أن حُرموا من هذه الأجواء الروحانية خلال السنوات الثلاثة الماضية بفعل الحرب والاستهداف الإسرائيلي المباشرة لمئات المساجد في قطاع غزة.
 

"أجواء إيمانية"

في إحدى الساحات القريبة من مسجد الأمين المدمر غرب مدينة غزة، يفترش المصلي رمضان زين الدين الأرض، واضعًا سجادته الصغيرة فوق التراب، استعدادًا لصلاة القيام، وذلك بعد أن امتلئ المصلى المصنوع من شوادر النايلون بالمصلين.

ويقول زين الدين لوكالة شهاب، : "والله كنا مشتاقين لهذه الليالي، حتى لو كانت الصلاة على التراب، المهم أن نعود لإحياء العشر الأواخر كما اعتدنا قبل الحرب في أجواء إيمانية فقدناها طويلًا".

ويضيف وهو ينظر إلى المصلين المتجمعين حوله: "الناس اليوم فرحانة رغم كل شيء، الحرب حرمتنا هذه الأجواء لسنوات، لكننا اليوم نحاول أن نعيدها ولو داخل مصليات بسيطة".

ويرى كثير من الغزيين أن هذه المشاهد تمثل رسالة تحدٍ وصمود، تؤكد تمسكهم بالحياة والعبادة رغم ما أصابهم من فقد ودمار.

"سكينة وطمأنينة"

وقال الداعية الفلسطيني جهاد حلس، في منشور على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي: "هذا الصباح هو أجمل صباح يمر على غزة منذ ثلاث سنوات، فهذه أول مرة نستطيع قيام العشر الأواخر من رمضان على أنقاض مساجدنا وفي المصليات المنتشرة بين الخيام في سكينة وطمأنينة، بعد أن منعتنا تلك الحرب المجنونة لذة قيامها وإحيائها".

وأضاف حلس: "نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وينزل معها الفرج والفرح لأهل غزة وجميع بلاد المسلمين".

وفي ظل الدمار الواسع الذي طال مساجد القطاع، لجأت لجان المساجد إلى إقامة مصليات مؤقتة أو استخدام أجزاء من المساجد المتضررة لإحياء الصلوات والاعتكاف، وإعداد جداول تضم فقرات مميزة عبر استجلاب أئمة من أصحاب الأصوات الندية والمواعظ المؤثرة.

كما حثت المساجد في مختلف مناطق القطاع المواطنين على إحياء ليالي العشر الأواخر عبر صفحاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومكبرات الصوت.

وأعلنت لجان المساجد كذلك عن استضافة عدد من الضيوف من أصحاب الأصوات الندية في تلاوة القرآن الكريم، إلى جانب دعاة وخطباء معروفين بمواعظهم المؤثرة، في محاولة لإحياء الأجواء الإيمانية التي افتقدها الغزيون خلال سنوات الحرب.

وقال الشيخ محمود عبد ربه، إمام مسجد الأنصار في غزة، إن الإقبال على الاعتكاف هذا العام يعكس شوق الناس الكبير للعودة إلى هذه الشعيرة بعد سنوات من الحرمان.

وأضاف عبد ربه في حديث لوكالة شهاب: "نلمس إقبالًا واسعًا من المواطنين على الاعتكاف وإحياء ليالي العشر الأواخر، فالناس كانت محرومة من هذه الأجواء الروحانية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، واليوم نرى فرحة واضحة بعودة هذه الأجواء رغم الدمار والظروف الصعبة".

وأوضح أن كثيرًا من المصلين يقضون ساعات طويلة في المصليات المقامة بين الركام أو داخل خيام النزوح، في مشهد يعكس تمسكهم بالشعائر الدينية وإصرارهم على إحياء هذه الليالي المباركة.

ويصف ناشطون ومتابعون المشهد في غزة بأنه استعادة لروح رمضان رغم الخراب، حيث يجتمع المصلون في الليل بين الركام أو داخل خيام ومصليات مؤقتة، يتلون القرآن ويحيون صلاة القيام طلبًا لليلة القدر.

"مشهد عظيم"

بدوره، وصف الأكاديمي معمر الفرا مشهد الاعتكاف في غزة بأنه يجسد قوة الإيمان لدى السكان رغم الدمار الذي طال المساجد.

وقال الفرا في منشور عبر حسابه عبر مواقع التواصل: "نتأمل المشهد بعيون ملؤها الإجلال؛ مساجد مهدمة وأحجارها أشلاء وقبابها استوت مع الأرض، لكن منها يخرج النور. جدران مكسرة تحتضن قلوباً عامرة، ومآذن صامتة لكن التكبير فيها لا يزال يعلو".

وأضاف الفرا: في زوايا هذه المصليات المدمرة، وتلك الخيام المنصوبة على الأنقاض، يقف الرجال. سواد الليل يلفهم، وبرد الشتاء القارس يعضّ أوصالهم، لكن قلوبهم مشتعلة بمناجاة من بيده ملكوت كل شيء.

ويتابع، هذا هو المشهد الأعظم: شعب يتجرد من دنياه في أحلك الظروف، شعب يرفع صوته بالدعاء في جوف الليل، والدمار يحيط به من كل جانب. إنها روح لا تُقهر. إنها إرادة شعب آمن أن النصر لا يأتي بالعدة والعتاد وحده، بل بنفحات الرحمن في تلك السحر.

ويختم الفرا: والله ثم والله، إن هذا الشعب بهذه العبادة، بهؤلاء الرجال الذين يسجدون على التراب والبرد، حريُ بهم النصر. إن دمعة في السحر تساوي جيشاً، وإن سجدة في ليل مظلم تهز عروش الظالمين.

وفي ظل استمرار آثار الحرب التي خلفت دمارًا واسعًا في المساجد والبنية التحتية في قطاع غزة، تبدو ليالي العشر الأواخر هذا العام مختلفة؛ إذ تختلط أصوات التلاوة والدعاء بأصوات طائرات الاستطلاع التي تحوم في الأجواء، فيما يجتمع المصلون في مشهد يجسد الصمود والإيمان في آن واحد.

 

 

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة