تقرير الإبادة تسحق أحلام العمل في غزة.. آلاف الشباب بين البطالة وطوابير المساعدات

تقرير /شهاب 

يعيش آلاف الشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة في قطاع غزة اليوم واقعًا بالغ القسوة، في ظل تحديات مزدوجة فرضتها الحرب وتداعياتها المستمرة؛ إذ فقد كثيرون أعمالهم ومصادر دخلهم التي كانت تمثل أساس استقلالهم المادي والاجتماعي.

 ليجدوا أنفسهم فجأة أمام حياة مختلفة تمامًا، تبدلت فيها ملامح حياتهم اليومية، فالروتين الذي كان يسير وفق خطط واضحة وطموحات مستقبلية أصبح اليوم مرهونًا بالانتظار والقلق، والوقوف في طوابير طويلة للحصول على الماء أو الطعام أو أي دعم بسيط قد يساعدهم على اجتياز يوم آخر.

معركة للبقاء

يقول معتز فياض، 29 عامًا: "أستيقظ كل صباح وأنا لا أعلم كيف سأكمل يومي، كيف سأجد عملاً يليق بدراستي وخبرتي وتجربتي، في ظل غياب أي أفق للعمل المؤسسي في غزة، بعد الدمار الكامل للبنية التحتية التعليمية والثقافية، وتوقف جميع المشاريع التدريبية والتطويرية، وتحول كل النشاطات تقريبًا إلى برامج إغاثية مؤقتة".

ويضيف لـ"شهاب": "في البداية كان شعور الصدمة شديدًا، لم أستطع تصديق أن حياتي التي بنيتها على مدار خمس سنوات ستنهار بهذه السرعة، أما الآن، فأنا أحاول أن أتأقلم، رغم أن الشعور بعدم القدرة على التخطيط لأي شيء يلازمني في كل لحظة، وكأن أي تفكير بالمستقبل صار رفاهية غير متاحة".

قبل الحرب، كان معتز مسؤولًا عن برامج تدريبية في إحدى المؤسسات التعليمية، يتمتع بحياة مستقرة نسبيًا، دخل ثابت وروتين منظم، يمنحه القدرة على إدارة مستقبله ومستقبل عائلته، أما اليوم، فقد أصبح بلا مصدر رزق، يعتمد في بعض الأيام على المساعدات الإنسانية، وأحيانًا يعمل لساعات قليلة مقابل أجر زهيد لا يكفي لسد احتياجات يوم واحد، ما يجعل كل يوم معركة للبقاء.

ويصف معتز روتينه اليومي قائلاً: "أبدأ يومي بالبحث عن أي فرصة عمل مؤقتة، وأحيانًا أقف لساعات في طوابير المساعدات للحصول على أقل شيء، ثم أعود لأقسمه بعناية حتى يكفينا ليوم آخر"، منوهًا أن شعور الاعتماد على صدقات الآخرين شعور سيئ يزيد من مشاعر العجز والقهر التي نعيشها منذ بدء الإبادة.

ويستدرك معتز: "أفكر كثيرًا في حياتي قبل الحرب، في عملي، في أحلامي الصغيرة التي كنت أؤجلها معتقدًا أن الوقت أمامي طويل، واليوم صار أقصى طموحي أن أؤمّن الحد الأدنى من متطلبات يومي. شعور فقدان الاستقرار المادي والنفسي أصبح يلاحقني في كل لحظة".

ويتابع: "أحيانًا أشعر بالاختناق من التفكير في المستقبل، كأن كل شيء خارج السيطرة. الاعتماد المستمر على المساعدات، والخوف من غدٍ مجهول، يجعل كل يوم صراعًا نفسيًا لا يقل صعوبة عن الصعوبات المادية نفسها".

أما غدير الخروبي، "43 عامًا"، صاحبة حضانة أطفال في حي الشجاعية، تقول: "لم أعد أميز بين صباح ومساء، كل يوم يبدأ بنفس الشعور بالفراغ والقلق، لا أعرف إن كنت سأجد اليوم أي حل لإعادة فتح الحضانة، أو حتى لتأمين حد أدنى من المعيشة لعائلتي".

تضيف غدير: "في البداية كانت الصدمة كبيرة، كل شيء استثمرته ذهب في لحظة واحدة، المنزل، المشروع، المدخرات، أما الآن فأحاول أن أعتاد الواقع، رغم أن كل يوم يذكرني بعدم قدرتي على إعادة البناء".

على قيد الحياة

قبل الحرب، كانت غدير تدير حضانة للأطفال، استثمرت فيها سنوات طويلة، وبذلت كل جهدها لتوفير بيئة تعليمية وترفيهية للأطفال. اليوم، كل شيء دُمّر، ولم تعد هناك مبانٍ متاحة بأسعار معقولة، والإيجارات المرتفعة تحول حلمها البسيط إلى أمر بعيد المنال.

وتصف غدير روتينها الحالي: "أمضي ساعات أتفقد الأماكن الممكنة لافتتاح الحضانة، أبحث عن أي فرصة لتأمين إيجار، أحيانًا أضطر لتقسيم ما تبقى من مدخراتي على احتياجات المنزل الأساسية، ثم أعود مساءً وأنا أشعر بالعجز. كل شيء صار محدودًا، حتى مجرد تأمين مكان للعمل أصبح حلمًا صعب التحقيق".

وتتابع: "أفكر كثيرًا في حياتي قبل الحرب، في حلمي الذي كان يوفر السعادة للأطفال وأملًا لعائلتي، واليوم أقصى طموحي أن أستمر على قيد الحياة، وأن أتمكن من إعادة مشروع بسيط حتى ولو بعد سنوات".

بينما يقول رجب أبو زيد، 32 عامًا، الذي يقف أمام مبنى مهجور في حيّه، حيث كان محلّه التجاري قبل أن تحول الحرب كل شيء إلى رماد: "في البداية كان شعور الخسارة صادمًا، كل شيء بنيته خلال سنوات ذهب في لحظة واحدة، أما الآن فأنا أحاول أن أعتاد الوضع، رغم أن كل يوم يذكرني بعجزنا أمام القيود والحصار".

قبل الحرب، كان رجب يمتلك محلًا صغيرًا للإكسسوارات الإلكترونية والهواتف، قضى سنوات في تطويره وبناء سمعة تجارية جيدة، لكنه فقد المحل وكل شيء فيه جراء قصف استهدف مكان عمله بالكامل.

1404031302512251133030394.jpg


 

ويصف رجب تفاصيل يومه الآن قائلاً: "أمضي ساعات أبحث عن أي فرصة عمل مؤقتة، وأحيانًا أضطر للاعتماد على صغار التجار لشراء ما يمكن بيعه بعشرات قليلة من القطع، أعود في المساء وأنا أشعر بالعجز، لا أملك إلا الصبر وانتظار غدٍ ربما يحمل أي حل".

ويوضح لـ"شهاب": "أفكر كثيرًا في حياتي قبل الحرب، في المشروع الذي كنت فخورًا به، واليوم صار كل همي أن أتمكن من توفير لقمة العيش لعائلتي، والبحث عن أي فرصة عمل مهما كانت صغيرة، خاصة وأن كثيرًا من الشركات التي تعمل في بيع الهواتف الذكية أغلقت أبوابها بسبب عدم دخول البضائع، والإغلاق المستمر للمعابر يجعل من المستحيل إعادة المشروع".

"التنمية العكسية القسرية

ويرى خبراء إن الحالة الاقتصادية في قطاع غزة تمثل نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ"التنمية العكسية القسرية"، فالحرب أدت إلى تدمير شامل للأصول الرأسمالية والبنية التحتية الإنتاجية، ما نقل الاقتصاد من مرحلة الركود إلى الانهيار الهيكلي الكامل.

فيما أسهم غياب آليات إعادة الإعمار في تعميق العجز في الميزان التجاري، وتآكل القوة الشرائية بفعل التضخم الجامح وانهيار الدورة النقدية، الأمر الذي حوّل المجتمع إلى اقتصاد ريعي إغاثي يعتمد كليًا على تدفقات خارجية محدودة.

وحذر الخبراء من أن استمرار هذا الفراغ الاستثماري يكرّس التبعية الاقتصادية المزمنة، ويجعل استعادة الوظائف والنمو أمرًا شبه مستحيل في ظل نظام اقتصادي مشلول.

من جانبه يؤكد الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة، أ.د. سمير مصطفى أبو مدللة، أن الحديث عن التعافي الاقتصادي لم يعد ترفًا فكريًا أو خيارًا مؤجلًا، بل بات ضرورة وطنية وإنسانية ملحّة.

ويشير إلى أن الاقتصاد في غزة، الذي يعاني أصلًا من آثار حصار مستمر منذ عام 2007، يواجه اليوم تحديات مركبة ومعقدة، ما يستدعي تبني رؤية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والمعالجات المؤقتة، نحو مقاربة بنيوية تعالج جذور الاختلال الاقتصادي بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.

ويوضح أبو مدللة أن أولويات التعافي الاقتصادي لا ينبغي النظر إليها كمسارات منفصلة أو متنافسة، بل كحلقات مترابطة ضمن ما يمكن تسميته بـ"التعافي المرحلي"، وهو مفهوم يقوم على البدء بتلبية الاحتياجات الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، تمهيدًا لبناء أسس تنمية مستدامة قادرة على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية.

image1024x768 (1).jpg


 

يضع أبو مدللة إصلاح البنية التحتية الأساسية، وفي مقدمتها قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والمرافق الصحية، مؤكدًا أن أي نشاط إنتاجي أو استثماري لا يمكن أن ينطلق في ظل غياب شبكة خدمات مستقرة. ويرى أن البنية التحتية لا تمثل مجرد خدمات عامة، بل تشكل القاعدة الصلبة التي يقوم عليها الاقتصاد، كما تعد مؤشرًا رئيسيًا على مستوى الثقة الذي قد يحظى به القطاع لدى المستثمرين المحليين والدوليين.

ويضيف أن عملية إعادة الإعمار تمثل أولوية إنسانية واقتصادية في آن واحد، فهي من جهة تسهم في إعادة المأوى لآلاف الأسر التي فقدت منازلها، ومن جهة أخرى تشكل محركًا مهمًا للدورة الاقتصادية من خلال تنشيط قطاع المقاولات والصناعات المرتبطة به، وتوفير فرص عمل في سوق يعاني أساسًا من معدلات بطالة مرتفعة.

يشير أبو مدللة إلى أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها خيارًا استراتيجيًا واقعيًا في ظل التدمير الذي طال قطاعات إنتاجية واسعة. فهذه المشاريع، وفق قوله، تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، وهي الأكثر قدرة على توفير دخل سريع للأسر المتضررة، وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية. غير أن دعمها لا يجب أن يقتصر على تقديم التمويل النقدي، بل ينبغي أن يشمل توفير حاضنات أعمال، وتسهيلات ضريبية، وضمانات ائتمانية، إلى جانب ربطها بالأسواق الخارجية عبر منصات رقمية وتسهيلات لوجستية.

ويرى أبو مدللة أن التحدي الأعمق يتمثل في معالجة أزمة البطالة المزمنة، خاصة في صفوف الشباب والخريجين. ويؤكد أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب إطلاق برامج تشغيل مؤقتة مرتبطة بمشاريع الإعمار، إلى جانب توسيع برامج التدريب المهني المتخصص وفق احتياجات السوق، والعمل على دمج الاقتصاد الرقمي والخدمات العابرة للحدود ضمن استراتيجية التعافي، بما يتيح خلق فرص عمل أقل ارتباطًا بقيود الحركة والمعابر.

التعافي الاقتصادي

يلفت إلى أن إعادة إعمار قطاعي الصحة والتعليم لا تقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية المادية، إذ إن إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية وتزويدها بالمعدات والكوادر المؤهلة يمثل شرطًا أساسيًا لاستقرار المجتمع وقدرته على التعافي.

وينطبق الأمر ذاته على قطاع التعليم، حيث يشكل ترميم المدارس والجامعات وتطوير المناهج والبنية التعليمية استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري، ويسهم في الحد من اتساع فجوة الفقر المعرفي التي تخلفها الحروب.

ويؤكد أن التعافي الاقتصادي في غزة لا يمكن اختزاله في أرقام موازنات أو مشاريع إنشائية، بل هو مسار سياسي وإنساني متكامل يتقاطع فيه البعد التنموي مع البعد السيادي.

ويضيف أن الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التنمية المستدامة يتطلب وضوحًا في الأولويات، وشفافية في إدارة التمويل، وإطارًا سياسيًا مستقرًا، إلى جانب رؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان كما تستثمر في إعادة بناء الحجر. ويحذر من أنه في غياب هذه المقومات ستظل خطط الإعمار رهينة التجاذبات السياسية، وسيبقى اقتصاد غزة أسير الحصار، يدور في حلقة استنزاف مفتوحة بعيدًا عن أفق الاستقرار والازدهار.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة