تقرير - شهاب
في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، يتحرك السكان بين أطلال منازلهم المدمرة، يحملون أوعية بلاستيكية صغيرة للبحث عن مصدر لتعبئتها بمياه الشرب، في ظل النقص شديد فيها وبالخدمات الأساسية.
جواد بدوان، 45 عامًا، جلس أمام منزله المدمر وتحدث عن الصعوبات اليومية التي يواجهها "إن معاناتنا هنا تكمن في شح المياه؛ إذ لا يوجد أي اهتمام من المؤسسات الدولية، رغم أنه يعد من أقدم أحياء مدينة غزة وأكثرها اكتظاظًا بالسكان".
يشير بدوان نحو الشرق حيث يمتد ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، ويضيف "نعيش في حالة من الألم والمرارة؛ فالمياه لا تصلنا، والتكيّات الخيرية غائبة، وحتى الخبز غير متوفر، إن أدنى حقوق المواطن الأساسية مفقودة هنا تماما".

جهود فردية وسط الفراغ
يقول بدوان إن السكان يقطعون مسافات طويلة للحصول على المياه، وغالبا على نفقتهم الشخصية، وأحيانا تصل صهاريج، لكنها لا تكفي الجميع، ويضطر الشباب أحيانا للذهاب إلى محطات التحلية البعيدة لملء أوعية صغيرة لا تكفي عائلة ليومين.
ويشير بدوان إلى أن التكيات الخيرية لا تصل إلى الحي، وكل ما يقوم به السكان هو جهود فردية لمبادرين منذ بداية الحرب، قائلا "لم تصلنا سوى مؤسسة واحدة هي الأونروا، التي وزّعت كميات محدودة من طرود النظافة".
ويضيف "هذا الحي مهمّش بشكل كبير، وسكانه يعانون معاناة شديدة؛ ورغم كثرة المبادرات، فإنها بلا نتائج ملموسة أو ثمار حقيقية، نسأل الله أن يهوّن علينا هذا المصاب".
احتجاجات وسط الدمار
على مفترق مسجد صلاح الدين الأيوبي، نظم عشرات الفلسطينيين وقفة احتجاجية للمطالبة بتدخل عاجل لمعالجة التدهور الحاد في الخدمات الأساسية، مع رفع لافتات تطالب بالمياه، إصلاح شبكات الصرف الصحي، إزالة الركام، وضمان وصول المساعدات الغذائية والطبية بشكل منتظم.

يصف السكان حيهم الذي كان قلب المدينة النابض بالأسواق والمدارس والمساجد بأنه أصبح محاطا بالأنقاض، وقربه من الخط الأصفر يجعله هدفا يوميا للقصف، ويحول دون وصول المنظمات الإنسانية.
إبراهيم شمالي، 52 عاما، يقف عند ركام منزله ويقول "نحن الآن في حي الزيتون، أحد أكبر وأعرق أحياء مدينة غزة، وبحكم قربنا من الخط الأصفر، أصبحنا من أكثر المناطق تهميشا واستهدافا".

ويضيف شمالي "لا أحد يزور منطقتنا بسبب قربها من الخط الأصفر، لا أحد يسأل عنّا، ولا أحد يتفقد احتياجاتنا. حتى في الهدنة، لا نشعر أننا داخلها"، مؤكدا أن المياه غير متوفرة للشرب ولا توجد مقومات للحياة الكريمة، داعيا إلى إنشاء مستشفيات ميدانية ونقاط طبية متنقلة، وتوفير مياه للغسيل والاستحمام.
دمار واسع وبقايا جثامين
المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل وصف الحي بأنه من أكثر المناطق تضررا خلال الحرب، مشيرا إلى أن الدمار طال نحو 90% من المباني، وأن بعض الجثامين لا تزال تحت الأنقاض لعدم توفر الإمكانات اللازمة لانتشالها.
وقال بصل "نحن أمام كارثة مركبة: كارثة إنسانية وبيئية وصحية، وأدعو المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل"، معتبرًا أن إعادة الإعمار تمثل المدخل الأساسي لتخفيف معاناة السكان.

سليم دلول، 60 عاما، يؤكد صمود السكان "نحن أبناء حي الزيتون الصامد، هذا الحي الذي دمّر فوق رؤوس ساكنيه؛ ومع ذلك ما زلنا صامدين وباقين في أرضنا".
يضيف دلول "يؤسفنا أن جميع المؤسسات الدولية وغير الدولية تهمش حي الزيتون، ولا نعلم إن كان ذلك عن قصد أم غير قصد، إلا أن التهميش بحقنا كامل ومطبق".
ويشير دلول إلى أن نحو 200 ألف نسمة يقطنون في بيوتهم بلا أي مساعدة، مطالبًا بنظرة عطف حقيقية تجاه أبناء الحي.

ويواجه حي الزيتون تحديات متزايدة في ظل الدمار ونقص الموارد، وخلال عامين من الحرب، استشهد فيه نحو 72 ألف فلسطيني وأصيب أكثر من 172 ألفًا، بينما طال الدمار 90% من البنية التحتية المدنية.
ورغم سريان اتفاق وقف النار منذ أكتوبر 2025، يخرق الاحتلال الاتفاق يوميًا، ما أدى إلى استشهاد نحو 650 فلسطينيًا ومنع إدخال المساعدات الإنسانية المتفق عليها، في ظل ظروف كارثية يعيشها نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح.

