"فدائية أثينا".. استشهاد مها أبو خليل في عدوان الاحتلال على صور

ارتقت المناضلة اللبنانية التاريخية، الدكتورة مها أبو خليل، شهيدة إثر عدوان إسرائيلي غادر استهدف مدينة صور جنوبي لبنان، لتختتم مسيرة طويلة من الكفاح بدأت منذ ريعان شبابها في صفوف الثورة الفلسطينية.

وجاء استشهاد أبو خليل، ابنة بلدة القليلة، جراء غارات عنيفة شنتها طائرات الاحتلال على مبانٍ سكنية مساء الجمعة الماضي، قبيل وقت قصير من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

ونعت أوساط سياسية وفصائلية الشهيدة التي عُرفت بكونها من أوائل الفدائيات اللبنانيات اللواتي التحقن بالعمل المسلح دفاعاً عن الحق الفلسطيني. وقد أكدت مصادر ميدانية أن جثمان الشهيدة ظل تحت الركام لفترة نتيجة الدمار الهائل الذي خلفه القصف الإسرائيلي الذي سوّى أربعة مبانٍ سكنية بالأرض في المنطقة المستهدفة.

تعود جذور المسيرة النضالية لمها أبو خليل إلى أواخر الستينيات، حيث انخرطت في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتحديداً ضمن 'المجال الخارجي' تحت قيادة المناضل الراحل وديع حداد. وقد آمنت أبو خليل مبكراً بأن القضية الفلسطينية هي قضية قومية وإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، مما دفعها للمشاركة في عمليات نوعية هزت الرأي العام العالمي آنذاك.

ومن أبرز محطات حياتها النضالية، مشاركتها في ديسمبر 1969 مع رفيقين لها في محاولة السيطرة على طائرة تابعة لشركة 'العال' الإسرائيلية في العاصمة اليونانية أثينا. هذه العملية البطولية كانت تهدف إلى تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني والمطالبة بتحرير الأسرى من سجون الاحتلال، وانتهت باعتقالها من قبل السلطات اليونانية.

قضت أبو خليل أشهراً في السجون اليونانية قبل أن تنجح الثورة الفلسطينية في فرض إرادتها عبر عملية تبادل معقدة في يوليو 1970، إثر اختطاف طائرة يونانية طالبت بتحرير المعتقلين. وعقب إطلاق سراحها، عقدت أبو خليل مؤتمراً صحافياً شهيراً في العاصمة الأردنية عمان، أظهرت فيه وعياً سياسياً وصلابة مبدئية أثارت إعجاب المراقبين الدوليين والصحافة العربية.

خلال ذلك المؤتمر، صرحت ابنة الـ26 عاماً حينها بكلمات خلدها التاريخ، مؤكدة أن نضالها ينبع من إيمان عميق بحق بلدها وشعبها في الحرية. وقالت بوضوح إن النتائج قد لا تظهر في سنوات قليلة، لكن الاستمرار في الكفاح هو الضمانة الوحيدة لاسترداد الحقوق المسلوبة، مشددة على أنها لا تكترث للمخاطر التي تهدد حياتها في سبيل هذه الغاية.

لم يقتصر دور الشهيدة أبو خليل على العمل العسكري والفدائي، بل واصلت مسيرتها في الميادين الأكاديمية والإعلامية، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في الإعلام من جامعات براغ. وعكست تجربتها العلمية في أواخر السبعينيات عمقاً معرفياً وانفتاحاً إنسانياً كبيراً، مما جعلها نموذجاً للمرأة المناضلة والمثقفة في آن واحد.

عاشت الراحلة فترة من حياتها في العاصمة التشيكية براغ إلى جانب زوجها الذي شغل منصب سفير العراق هناك، لكنها ظلت مرتبطة بوجدانها وقضاياها الوطنية. وبعد عودتها إلى لبنان، كرست حياتها للعمل الاجتماعي والتربوي، مساهمة في بناء مؤسسات تعنى بالعلاقات العامة وتوجيه الكوادر التعليمية بروح إنسانية ووطنية.

نعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيدة بوصفها 'رفيقة تاريخية وأكاديمية واجتماعية'، مشيدة بدورها الأساسي في دعم عائلات الشهداء والفقراء في جنوب لبنان. وأشار بيان الجبهة إلى أن أبو خليل ظلت صامدة في مدينة صور طوال سنوات الحروب الإسرائيلية المتكررة، رافضة مغادرة أرضها رغم كل التهديدات والقصف المستمر.

تميزت الشهيدة بقربها الشديد من الناس ومشاركتهم آلامهم وأفراحهم، مما ترك أثراً عميقاً في كل من عرفها في الأوساط اللبنانية والفلسطينية. ويرى رفاق دربها أن استشهادها في هذه اللحظات التاريخية يمثل امتداداً لتضحيات الرعيل الأول الذي لم يتخلَّ يوماً عن خيار المقاومة والصمود في وجه المشروع الصهيوني.

أفادت مصادر مقربة من عائلة الشهيدة أن الدكتورة مها كانت ترفض دائماً فكرة النزوح من الجنوب، معتبرة أن البقاء في الأرض هو جزء من المعركة الوجودية ضد الاحتلال. وقد تجلى هذا الصمود في بقائها بمدينة صور حتى اللحظات الأخيرة، رغم التحذيرات المتكررة وخطورة الوضع الأمني في المناطق الحدودية.

تعد عملية 'أثينا' التي شاركت فيها أبو خليل جزءاً مركزياً من برنامج العمل الثوري الفلسطيني في السبعينيات، والذي سعى لتدويل القضية الفلسطينية. وبحسب الأرشيف الفلسطيني، فإن الشهيدة كانت تؤكد دائماً على تجنب إيذاء الأبرياء في العمليات الفدائية، موضحة أن الهدف كان دائماً الضغط على الاحتلال لتحرير الأسرى.

برحيل الدكتورة مها أبو خليل، يفقد لبنان وفلسطين قامة نضالية جمعت بين البندقية والقلم، وبين العمل الميداني والنشاط الاجتماعي والتربوي. وتظل كلماتها في مؤتمر عمان عام 1970 شاهدة على رؤية ثاقبة أدركت مبكراً أن طريق التحرير طويل ويتطلب نفساً ثورياً لا ينقطع، وهو ما جسدته حتى لحظة ارتقائها.

تستذكر الأوساط الثقافية في لبنان الشهيدة كأكاديمية مرموقة ساهمت في تطوير المناهج التربوية والاجتماعية، مع الحفاظ على هويتها كفدائية لم تندم يوماً على خياراتها. إن غيابها في غارة غادرة قبيل وقف إطلاق النار يضيف اسماً جديداً إلى سجل الخلود الذي يجمع بين الشعبين اللبناني والفلسطيني في مواجهة عدوان واحد.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة