حمزة قرقماز

حبلٌ واحد... بين الخنق والأرجوحة

في مشهدٍ واحدٍ يتجلّى تناقضُ الإنسان حين تغيب عنه البصيرة: حبلٌ يُشدّ على أعناق الآخرين حتى يضيق بهم النفس، هو نفسه يُعلَّق في ساحة البيت ليصير أرجوحةً يضحك عليها الأبناء. ليست المسألة في الحبل، بل في القلب الذي يستعمله؛ قلبٌ يقسو هنا، ويلين هناك، بلا ميزانٍ واحدٍ للحق.

يظنّ صاحب المال أو السلطان أنه إنما يجتهد لراحة أهله، فيبني لهم عالماً آمناً من حوله، ويُزيح عن طريقهم ما استطاع من العوائق. لكنه لا ينتبه أن ما يُزيحه من طريقهم قد وضعه حجراً في طريق غيرهم، وأن ما فتحه لبنيه باباً قد أغلقه في وجوه أبناء آخرين. فيغدو العطاء عنده اختياراً لا عدلاً، ويصير الفضل امتيازاً لا أمانة. هنا ينكشف سرّ خطير: ليست كلُّ نعمةٍ نعمةً في ميزان الحقيقة. فالنِّعَمُ إن شابها ظلمٌ، تحوّلت في باطنها إلى ديونٍ مؤجّلة، تُطالِب صاحبها يوماً ما. قد تبدو الأرجوحةُ في عين الطفل متعةً بريئة، لكنها إن نُسجت من خيوط القهر، فإنها تحمل في طيّاتها أثقالاً لا تُرى، تُثقِل الروح وإن خفَّت في اليد.

العارف لا ينظر إلى ظاهر الأشياء، بل إلى مصدرها ومسارها. يسأل: من أين جاء هذا الرزق؟ وعلى من مرّ حتى وصل؟ وكم قلباً ضاق قبل أن يتّسع بيتي؟ لأن الحقيقة عند أهل البصيرة ليست في الامتلاك، بل في الطهارة؛ ليست في الكثرة، بل في البركة. وما البركة إلا سرٌّ إلهيّ لا يسكن إلا في موضع العدل. فإذا دخل الظلمُ باباً، خرجت البركة من النوافذ كلّها. فيكبر المال ويصغر أثره، وتتّسع الدار ويضيق الصدر، ويضحك الأبناء ضحكاً عابراً، لكن أرواحهم تتشرّب خفياً معنى الاستحقاق بلا تعب، والراحة بلا حق.

وهنا المفارقة المؤلمة: من ظنّ أنه يحمي أبناءه، قد يكون قد أضعفهم. لأن الذي ينشأ على امتيازٍ غير مستحق، يفقد القدرة على الوقوف حين تزول الوسائط. والذي يتربّى على ظلٍّ كثيفٍ من الحماية المصطنعة، لا يعرف كيف يمشي تحت شمس الحقيقة. إن الحبل واحد، لكن المعنى يختلف باختلاف اليد التي تمسكه. فإن شددته على رقاب الناس، شددته في الحقيقة على مستقبلك، وإن جعلته أرجوحةً لأبنائك من غير ظلمٍ ولا تعدٍّ، كان رحمةً وسعة. أما إن جمعت بين الخنق هناك واللعب هنا، فقد فرّقت قلبك بين صورتين، ولن يستقيم لك ميزان.

غير أن الخطر الأعمق لا يظهر في ظاهر الأفعال، بل في خفاء التحوّل الداخلي الذي يصيب النفس مع تكرار هذا السلوك. فشيئاً فشيئاً، يفقد الإنسان حساسيته تجاه الظلم، ويألف رؤية الآخرين وهم يُزاحمون على أبواب ضيّقها هو بيده. ثم يتحول هذا الألف إلى طبع، وهذا الطبع إلى قناعة، حتى يصبح الظلم في نظره “تنظيماً” أو “إدارةً للمصالح”، وتُمحى من قلبه معاني الرحمة دون أن يشعر. وفي لحظة صدقٍ نادرة، لو توقّف هذا الإنسان وسأل نفسه: ماذا لو وُضع أبنائي مكان أولئك الذين ضيّقتُ عليهم؟ هل كنتُ سأرضى لهم هذا المصير؟ لأدرك أن الميزان الذي يستعمله مختلّ، وأن العدالة التي يتحدث عنها ليست إلا اسماً بلا روح. لأن العدل الحقيقي لا يتجزأ، ولا يُفصّل على مقاس العلاقات والمصالح.

ثم إن سنن الله في الحياة لا تُخدع بالمظاهر. فما يُبنى على أكتاف المظلومين، يبقى معلّقاً بآهاتهم، وإن بدا ثابتاً في أعين الناس. وقد يرى المرء ثمار ما صنعه عاجلاً في سعة رزق أبنائه، لكنه لا يرى ما يتسلل إلى أعماقهم من خلل، ولا ما يُكتب في صحيفته من تبعات. فالتأخير في الجزاء ليس نفياً له، بل إمهال يحمل في طيّاته حكمةً لا تُدرك بالعجلة. وليس المقصود أن يترك الإنسان السعي لأهله، أو أن يُهمل مسؤولياته، بل المقصود أن يفهم أن الطريق إلى الخير لا يُعبَّد بالشر، وأن الراحة الحقيقية لا تُبنى على تعب الآخرين قسراً. فكم من بيتٍ ضاق مادياً واتّسع معنى، وكم من بيتٍ اتّسع ظاهراً وضاق حقيقة.

إن التربية الصامتة أخطر من الكلام المعلن. فالطفل قد لا يفهم تفاصيل ما يجري، لكنه يلتقط الروح العامة: من يُقدَّم ومن يُؤخَّر، من يُنصف ومن يُهمَّش. فإذا نشأ وهو يرى أباه يُحسن إلى نفسه وأهله على حساب غيرهم، تعلّم دون وعي أن العالم يُدار بهذا المنطق، وأن القوة مبرر كافٍ لتجاوز القيم. وهكذا لا يكون الإرث الحقيقي مالاً ولا منصباً، بل رؤيةٌ للحياة. فإن كانت هذه الرؤية قائمة على العدل، صار الابن إنساناً ولو قلّ ماله، وإن كانت قائمة على الامتياز الظالم، ضاع المعنى ولو كثرت الوسائل.

فليتأمّل المرء قبل أن يمدّ يده: أهذا الذي أبنيه لأبنائي، هل هو قائمٌ على عدلٍ يرضاه الله، أم على حساباتٍ أرضيةٍ قصيرة؟ لأن ما يُبنى بالعدل يدوم، وما يُبنى بالظلم، وإن طال، فإلى زوال. وفي النهاية، ليست القضية ما تتركه في أيدي أبنائك، بل ما تزرعه في قلوبهم. فإن زرعت العدل، أورثتهم طمأنينةً لا تزول، وإن زرعت الامتياز القائم على ظلم الآخرين، أورثتهم قلقاً يلاحقهم وإن ناموا على أرجوحةٍ من حرير.

 

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة