تقرير / شهاب
أدي هبوطُ سعرِ صرفِ الدولارِ الأميركي أمام الشيكل الإسرائيلي إلى ما دون ثلاثة شواكل، إلى صدمةٍ حادةٍ لدى الشباب العاملين عن بُعد في قطاع غزة، نتيجة تعرضهم لضغوطٍ معيشيةٍ متزايدة، في هبوطٍ غير معتادٍ للدولار، مما ينعكس بشكلٍ مباشر على دخولهم الشهرية، ويحدّ من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل بيئةٍ اقتصاديةٍ مأزومة.
ويعتمد آلاف الشبان في غزة على العمل الحر عبر الإنترنت كمصدر دخلٍ رئيسي، حيث تُدفع أجورهم غالبًا بالدولار، قبل أن تُصرف محليًا بالشيكل. ومع انخفاض قيمة الدولار، تتراجع القيمة الفعلية لهذه الدخول، في وقتٍ تشهد فيه أسعار السلع والخدمات ارتفاعًا نتيجة انخفاض عملة الاستيراد، ما يخلق فجوةً متزايدة بين الدخل والإنفاق.
تقلبات سعر الصرف
ويجمع عاملون في قطاع العمل عن بُعد أن هذا التراجع أفقدهم جزءًا ملموسًا من دخلهم، إذ لم تعد المبالغ التي يتقاضونها تكفي لتغطية النفقات الأساسية، خاصة مع غياب أي أدواتٍ ماليةٍ تحميهم من تقلبات سعر الصرف.
وبحسب صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية: "فإن الدولار يواصل تراجعه خلال الفترة الحالية"، مشيرةً إلى أنه كان يُتداول في أبريل/نيسان من العام الماضي قرب مستوى 3.7 شيكل، ما يعني انخفاضًا بنحو 16% منذ ذلك الحين، وهو أكبر تراجعٍ له أمام الشيكل منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وبيّنت الصحيفة أن هذا الانخفاض يأتي في سياق تدفقاتٍ قويةٍ للعملات الأجنبية إلى إسرائيل، خاصة عبر استثمارات قطاع التكنولوجيا المتقدمة والصناعة، حيث يتم تحويل كمياتٍ كبيرةٍ من الدولار إلى الشيكل، ما يعزز من قوة العملة المحلية.
وأضافت أن ارتفاع الشيكل يحمل تأثيراتٍ مزدوجةً على الاقتصاد؛ فمن جهةٍ، يسهم في خفض تكاليف الاستيراد وكبح التضخم، ومن جهةٍ أخرى، يضغط على الشركات والأفراد الذين يحققون إيراداتهم بالدولار، إذ تتراجع القيمة الفعلية لدخولهم عند تحويلها إلى الشيكل.
ووفق تقديراتٍ اقتصاديةٍ نقلتها الصحيفة، فإن هذا التحول أدى إلى تآكلٍ فعلي في الإيرادات بنحو 16% لبعض القطاعات، خاصة العاملين مع الأسواق الخارجية وقطاع التكنولوجيا، في وقتٍ لا تعوض فيه مكاسب انخفاض الواردات هذه الخسائر بشكلٍ كامل.
من جانبه، يقول براء أبو عنزة (29 عامًا)، وهو شاب يعمل في مجال البرمجة عبر منصاتٍ عربية، إن دخله الشهري لم يعد يعكس حجم الجهد الذي يبذله، في ظل التراجع المستمر لقيمة الدولار.
ويوضح أنه يتقاضى نحو 500 دولار شهريًا، كانت تعادل سابقًا قرابة 1900 شيكل، لكنها اليوم باتت تقل عن 1500 شيكل، ما يعني خسارةً تقترب من 400 شيكل دون أي تغيير في طبيعة عمله أو عدد المهام التي ينجزها.
ويضيف براء أن هذا التراجع ألقى بظلاله الثقيلة على حياته اليومية، قائلًا إن ساعات العمل الطويلة التي يقضيها أمام الحاسوب لم تعد توفر له دخلًا مستقرًا يمكن الاعتماد عليه، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
دون جدوى
ويشير إلى أنه بات يشعر وكأنه يعمل "دون جدوى"، مع تآكل قيمة ما يجنيه تدريجيًا، الأمر الذي يضعه أمام ضغوطٍ متزايدةٍ لتأمين احتياجات أسرته الأساسية.
في المقابل، تقول داليا العمرين (25 عامًا)، وهي شابة تعمل في التسويق الإعلامي لصالح صفحاتٍ خليجية، إنها تتقاضى أجرًا ثابتًا بالدولار مقابل كل منشورٍ أو نص محتوى تُعدّه، إلا أن تراجع قيمة الدولار شكّل بالنسبة لها صدمةً حقيقية.
وتوضح أن ساعات العمل الطويلة التي تقضيها يوميًا أمام شاشة الهاتف والحاسوب لم تعد تحقق العائد ذاته، مع انخفاض القيمة الفعلية لما تتقاضاه عند تحويله إلى الشيكل. وتضيف أن هذه الخسارة غير المباشرة تضعف قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، رغم ثبات حجم العمل والجهد المبذول.
وتشير داليا إلى أن العاملين عن بُعد في قطاع غزة يواجهون وضعًا أكثر تعقيدًا مقارنةً بغيرهم، نظرًا لاعتماد السوق المحلية بشكلٍ أساسي على الشيكل في التعاملات اليومية، ما يجعلهم أكثر عرضةً لتقلبات سعر صرف الدولار وانعكاساته على دخلهم.
وفي قراءةٍ أوسع لتداعيات تراجع الدولار، قال الاقتصادي أحمد أبو قمر إن الغزيين يواجهون ضغوطًا اقتصاديةً متزايدةً في ظل استمرار انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي أمام الشيكل الإسرائيلي إلى مستوياتٍ غير معتادة، بعد هبوطه إلى ما دون ثلاثة شواكل للدولار الواحد.
ولفت إلى أن هذا التراجع يعكس تحولاتٍ في اتجاهات الأسواق المالية العالمية، إلا أن انعكاساته تبدو أكثر حدةً على الاقتصاد في قطاع غزة، الذي يعتمد بشكلٍ أساسي على التمويل الخارجي ورواتب العاملين بالدولار، بما في ذلك فئة الشباب العاملين عن بُعد.
تآكل الأجور
وأوضح أبو قمر لـ"شهاب" أن هذا الواقع يفاقم من الأعباء المعيشية على العائلات الفلسطينية، في ظل أوضاعٍ اقتصاديةٍ متدهورةٍ أصلًا، حيث تتجاوز معدلات البطالة 80%، فيما تخطت نسب الفقر حاجز 90%، ما يجعل أي تغيرٍ في سعر الصرف عاملًا حاسمًا في تحديد القدرة الشرائية للأسر.
وأشار إلى أن تأثير تراجع الدولار لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل الشركات والمقاولين والمتعاقدين مع المؤسسات الدولية، الذين يواجهون فجوةً متزايدةً بين التكاليف والإيرادات، في اقتصادٍ يعتمد بدرجةٍ كبيرة على التدفقات المالية الخارجية المقومة بالدولار.
وبيّن أن انخفاض قيمة الدولار مقابل الشيكل يؤدي عمليًا إلى تآكل الأجور الحقيقية للعاملين الذين يتقاضون دخولهم بالدولار، إذ تتراجع قيمتها عند تحويلها إلى الشيكل، في وقتٍ تبقى فيه أسعار السلع والخدمات داخل الأسواق المحلية مستقرةً أو تميل إلى الارتفاع، ما يضعف قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، ويدفعها بشكلٍ متزايد نحو الاعتماد على المساعدات.
وأضاف أبو قمر أن تداعيات تقلبات سعر الصرف تطال أيضًا قطاع الأعمال، حيث يتكبد المقاولون وشركات الخدمات خسائر مباشرةً وغير مباشرة، خاصة أولئك المرتبطين بعقودٍ مع مؤسساتٍ دولية تُحدد قيمتها بالدولار، بينما تُدفع التكاليف التشغيلية بالشيكل، وهو ما يؤدي إلى تقلص هوامش الربح، بل وقد يصل في بعض الحالات إلى تسجيل خسائر فعلية.
عدم المصداقية
فيما يرى مختصون في أسواق المال أن تراجع الدولار في الفترة الأخيرة لا يرتبط بعوامل فنيةٍ مؤقتةٍ فحسب، بل يعكس ضغوطًا أعمق تتعلق بتآكل المصداقية المالية للولايات المتحدة، واستمرار العجز في ميزان المعاملات الجارية، إلى جانب تنامي المخاوف من تسييس قرارات السياسة النقدية، ما قد يقوّض الثقة بالعملة الأميركية على المدى الطويل.
ورغم ذلك، يشيرون إلى أن الدولار يحتفظ بعوامل دعمٍ تحدّ من استمرار هبوطه، أبرزها ميله للارتفاع مع تصاعد الأزمات الجيوسياسية، إلى جانب توقعاتٍ محدودةٍ لخفض أسعار الفائدة واستمرار تدفق رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة، مدعومةً بفروق عوائد تصب في مصلحتها مقارنةً بالاقتصادات الأوروبية، ما يُبقي تحركاته ضمن نطاقٍ متوازنٍ نسبيًا خلال الفترة المقبلة.
