﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64].
هذه الآية الكريمة تكشف لنا حقيقة المفسدين في الأرض: أنهم لا يفتأون يشعلون نيران الحروب، يظنون أنها طريق المجد والهيمنة، فإذا بيد الله تطفئها وتردّ كيدهم في نحورهم. قال المفسرون: كلما حاول أهل البغي والعدوان أن يثيروا حربًا أو يفتحوا بابًا للفتنة، أطفأها الله بحكمته، إمّا بكسر شوكتهم، أو بإبطال مكرهم، أو بتسليط بعضهم على بعض، ليبقى وعد الله حاضرًا أن الفساد لا يدوم، وأن الحق لا يُهزم.
لقد شهدنا في عصرنا القريب كيف تتجسد هذه الآية في الواقع السياسي. باراك أوباما نفسه أقرّ أن خلافاته مع نتنياهو حول إيران كانت عميقة، وأن نتنياهو قدّم له ذات الطروحات العسكرية التي قدّمها لترامب. ورغم أن أوباما رأى أنّ نتنياهو ربما "نال ما أراد"، إلا أنه شكّك في كون ذلك يخدم مصلحة إسرائيل أو الولايات المتحدة. لقد انتقد بوضوح نهج نتنياهو التصعيدي، وأكد أنه رفض الانجرار إلى حرب شاملة، بينما تبنّت إدارة ترامب مقاربة مختلفة.
فانظروا كيف تتكرر السنن: يشعلون نارًا للحرب، يخططون لإشعال المنطقة، لكن الله يُطفئها أو يجعلها وبالًا عليهم.
ها نحن نعيش زمنًا تتجدد فيه صور هذه الآية أمام أعيننا. قوى الاستكبار تشعل نيران الحروب في غزة، في إيران، وفي كل أرضٍ أرادوا أن يجعلوها وقودًا لمطامعهم. يظنون أن الدماء وقودٌ لمشاريعهم، وأن الخراب طريقٌ لهيمنتهم، لكنهم لا يدركون أن هذه النيران التي أوقدوها ستلتهمهم قبل أن تلتهم غيرهم.
لقد أوقدوا نارًا في غزة، فكانت عليهم لعنةً وفضيحةً، إذ تحوّلت غزة إلى مستنقع يبتلع جنودهم وهيبتهم، ويكشف زيف أساطيرهم. ثم أوقدوا نارًا أخرى في إيران، يظنون أن أمريكا ستقاتل نيابةً عنهم، فإذا بهم يحفرون قبورهم بأيديهم، لأن إيران اليوم ليست كما كانت بالأمس، وصواريخها وطائراتها ظلٌّ يفتح على "تل أبيب" أبواب الجحيم.
العالم يتبدّل، القوى الكبرى تترنّح، الدب الروسي يطل من الشمال، والتنين الصيني يرقب من خلف البحار، ينتظر لحظة سقوط الإمبراطورية الأمريكية. أما الأنظمة العربية التي سلّمت قرارها للغاصب، فقد أوقدت نارًا على شعوبها، فخانت دماء غزة والقدس، وظنّت أن "السلام الإبراهيمي" سيحميها، فإذا بها اليوم عارية بلا حلفاء، بلا كرامة، بلا وزن في لحظة القرار.
إن معادلة الربح والخسارة لا تُقاس بميزان الأرض وحده، بل بميزان السماء وعدالة الآخرة. غزة، رغم نزيفها، بقيت على صراط الثبات والجهاد، شاهدةً على سقوط الأنظمة الفاسدة، ورمزًا لوعد الله بالنصر. النصر وعدٌ إلهي، والغلبة لأهل الثبات، وغزة عنوان ذلك كله.
فيا عباد الله، اثبتوا على الحق، وكونوا مع وعد الله، فإن الحق لا يموت، وإن النصر حتمي مهما طال الليل. وما هذه النيران التي يشعلونها إلا وقودٌ لزوالهم، وعبرةٌ للأمم، ودليلٌ على أن وعد الله لا يُخلف.
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾… وعدٌ يتجدد، وسُنّةٌ لا تتبدل، ونهايةٌ تقترب، مهما أشعلوا من نيران.
