يعيش سكان قطاع غزة تحت وطأة الحصار والحرب، حيث لم تقتصر آثار العدوان على الدمار والخسائر البشرية، بل امتدت إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، لتصنع أزمات معيشية متراكمة تثقل كاهل المواطنين المنهكين أصلًا. ومن بين هذه الأزمات تبرز مشكلة رفض العملات المهترئة وغياب “الفكّة”، حتى بات شراء ربطة خبز، أو دفع أجرة مواصلات، أو شراء دواء من الصيدلية، مهمة يومية شاقة في كثير من الأحيان.
وتفاقمت هذه الأزمة نتيجة محدودية إدخال السيولة النقدية الجديدة إلى قطاع غزة، وبقاء الأوراق النقدية في التداول لفترات طويلة بسبب الحصار وتعطل الدورة المالية الطبيعية، ما أدى إلى اهتراء جزء كبير من النقد المتداول وتراجع جودته بشكل ملحوظ.
الأكثر إيلامًا أن جزءًا من هذه المعاناة نصنعه نحن كمجتمع، أفرادًا ومؤسسات ومحالّ تجارية وخدمية. ففئة نقدية كاملة مثل العشرة شواكل اختفت عمليًا من التداول، وباتت بعض الأوراق النقدية تُرفض رغم أنها ما تزال عملة قانونية متداولة ولم يصدر أي قرار رسمي بسحبها من السوق.
يتنقل المواطن بين البائع والمورد وسائق المواصلات ومحال الصرافة، وكل طرف يحاول “تمرير” العملة المهترئة للطرف الآخر أو التخلص منها، فيما يتحمل المواطن البسيط الخسارة النهائية. فالموظف تُقتطع من دخله مبالغ صغيرة بشكل يومي بسبب غياب “الفكّة”، ورب الأسرة يضطر أحيانًا لشراء ما لا يحتاجه فقط للحصول على باقي نقوده، بينما يجد الطالب أو المريض نفسه عاجزًا عن إتمام معاملة بسيطة بسبب رفض ورقة نقدية مهترئة.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة:من الذي قرر عمليًا إلغاء فئة نقدية كاملة من التداول؟ولصالح من يحدث ذلك؟ولماذا يتحمل الفقراء والأسر محدودة الدخل التكلفة اليومية المتراكمة لهذه الفوضى النقدية؟
إن الأزمة النقدية الخانقة التي يعيشها القطاع لا تحتمل أن تتحول الأعراف التجارية غير الرسمية إلى أدوات ضغط إضافية على الناس، كما أن الأصل القانوني والاقتصادي يقتضي قبول أي عملة قانونية متداولة ما لم يصدر قرار رسمي بسحبها أو إلغائها.
وفي ظل تفاقم المشكلة، تصبح مسؤولية الجهات الرسمية والرقابية واضحة وملحّة، ومن أبرز الإجراءات المطلوبة:
إصدار بيان رسمي واضح من سلطة النقد الفلسطينية ووزارة الاقتصاد يؤكد إلزامية قبول جميع الفئات النقدية المتداولة في الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة، ومحاسبة أي موظف يرفضها دون سند قانوني.
إلزام المراكز التجارية الكبرى والمطاعم ومحطات الوقود وتجار الجملة بقبول جميع الفئات النقدية، مع تعليق لافتات واضحة تؤكد ذلك، وفرض غرامات أو إجراءات قانونية بحق المخالفين.
مراقبة محال الصرافة وضبط سلوكها المالي، ومنع أي ممارسات استغلالية مرتبطة بالأزمة النقدية.
تجريم ظواهر الاستغلال المالي المرتبطة بالأزمة، مثل بيع “الفكّة” أو فرض عمولات مرتفعة على عمليات “التكييش”، ومحاسبة المتورطين فيها.
تقديم ضمانات وتسهيلات للمصالح التجارية فيما يتعلق بتصريف العملات المهترئة، والعمل على إدخال سيولة نقدية جديدة بكميات كافية للتخفيف من الأزمة.
إن احترام النقد المتداول ليس مجرد إجراء فني أو تنظيمي، بل هو جزء من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية في زمن الحرب والحصار. فالمواطن في غزة يدفع يوميًا ثمن العدوان والفقر وانهيار الخدمات، ولا يجوز أن يتحول حقه الطبيعي في استخدام أمواله إلى معركة جديدة تستنزف كرامته وما تبقى في جيبه.
