كشف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عن تعرضه لضغوط وتهديدات مباشرة من مسؤولين غربيين على خلفية تحركات المحكمة المتعلقة بجرائم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، مؤكداً أنه تلقى تحذيرات بعواقب سياسية ومالية إذا مضى قدماً في إجراءات إصدار أوامر اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين.
وقال خان، في تصريحات لموقع “ميدل إيست آي”، إنه أُبلغ بمعلومات تفيد بأنه يخضع لمراقبة من أجهزة استخبارات روسية وإسرائيلية، مضيفاً أنه نقل تلك المعلومات إلى السلطات المختصة، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل إضافية.
وأشار خان إلى أن السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام هدده بشكل غير مباشر بفرض عقوبات عليه إذا واصل خطواته القانونية المتعلقة بإسرائيل، قائلاً إن غراهام أخبره خلال “محادثة ودية” بأن “هناك عواقب معينة” إذا أقدم على ما سمع أنه ينوي فعله بشأن أوامر التفتيش والاعتقال.
محادثة صعبة
كما كشف عن تفاصيل محادثة وصفها بـ”الصعبة” مع وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون، هدده خلالها – بحسب روايته – بانسحاب بريطانيا من المحكمة الجنائية الدولية ووقف تمويلها إذا تحركت المحكمة ضد مسؤولين إسرائيليين. وقال خان إن كاميرون أبلغه بأنه “فقد صوابه” إذا مضى في هذه الخطوات، وإن المضي قدماً سيخلق “صعوبات سياسية كبيرة”، مشيراً إلى أن لندن وواشنطن، باعتبارهما من أبرز داعمي المحكمة، قد تعتبران قراراته تهديداً لمصالحهما السياسية.
وأضاف خان أن هذه الضغوط تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، مؤكداً أنه كان “أول شخص يتعرض للعقوبات” من إدارة ترامب الجديدة، قبل أن تمتد العقوبات لاحقاً إلى نوابه وشخصيات ومؤسسات داعمة للحقوق الفلسطينية، بينها المقررة الأممية الخاصة فرانشيسكا ألبانيز.
واعتبر خان أن الهدف من هذه العقوبات والضغوط هو “ردع الفلسطينيين وضمان عدم إجراء أي تحقيقات في فلسطين”، محذراً من وجود محاولات ممنهجة لتقويض مؤسسات العدالة الدولية لأنها تشكل “عائقاً أمام منطق القوة”.
وشدد المدعي العام على أهمية الحفاظ على المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والأمم المتحدة، رغم ما تتعرض له من هجمات سياسية وتشويه، قائلاً إن العالم أمام خيار حاسم: “هل نريد لأطفالنا أن يعيشوا في عالم تحكمه القوة الغاشمة أم في عالم ينظمه القانون؟”
وأكد أن العدالة الدولية لا يجب أن تبقى مسؤولية القضاة والمدعين العامين وحدهم، بل “قضية تخص البشرية جمعاء”، داعياً إلى الدفاع عن منظومة القانون الدولي في مواجهة محاولات إخضاعها للضغوط السياسية الغربية.
فإن الضغوط على خان لم تبدأ بعد قراراته بشأن غزة، بل سبقتها تحذيرات سياسية مباشرة من داخل الكونغرس الأميركي، إذ أرسل 12 عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ رسالة إلى المدعي العام حذّروه فيها من أن إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين سيُنظر إليه باعتباره تهديداً لسيادة إسرائيل والولايات المتحدة، وسيفضي إلى “عقوبات ثقيلة”.
وتضمنت الرسالة تهديداً مباشراً بخطاب غير مسبوق، جاء فيه: “إذا استهدفت إسرائيل، سنستهدفك”، إلى جانب التحذير من فرض قيود على الموظفين العاملين تحت إدارته ومنعه وعائلته من دخول الولايات المتحدة.
وفي موازاة ذلك، تعرضت المحكمة الجنائية الدولية لخطاب سياسي حادّ من مسؤولين غربيين شكك في طبيعتها ودورها، إذ نُسب إلى أحد القادة المنتخبين قوله إن المحكمة “أنشئت لإفريقيا وللبلطجية مثل فلاديمير بوتين”، في إشارة اعتبرها مراقبون محاولة لنزع الشرعية عن المحكمة وتقويض استقلاليتها.
ورغم هذه الضغوط، مضى خان قدماً في طلب إصدار مذكرات اعتقال تتعلق بجرائم الحرب في غزة، في خطوة اعتُبرت نقطة تحول في مسار المواجهة بين المدعي العام وعدد من العواصم الغربية الداعمة لإسرائيل.
جذور الضغط
كما تعود جذور الضغط، وفق ما تكشفه معطيات سابقة مرتبطة بالمحكمة، إلى ما قبل مرحلة خان نفسها، حيث واجهت المدعية العامة السابقة فاتو بنسودة تهديدات ومحاولات ابتزاز من مسؤولين إسرائيليين، في سياق مرتبط بفتح تحقيقات في الأراضي الفلسطينية، ما يشير إلى نمط متكرر من الاستهداف الذي يطال مسؤولي المحكمة عند اقترابهم من ملف إسرائيل.
يُعد كريم خان واحداً من أبرز المدعين العامين في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، إذ تولى منصبه في يونيو/حزيران 2021 بعد مسيرة قانونية طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في مجال القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، شارك خلالها في ملفات بارزة تتعلق بجرائم حرب في رواندا ويوغوسلافيا السابقة وسيراليون، إضافة إلى تحقيقات في سوريا وأوكرانيا.
وعُرف خان قبل توليه منصبه بخبرة واسعة كمحامٍ ومستشار دفاع في قضايا دولية معقدة، بينها تمثيل شخصيات سياسية بارزة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ما جعله شخصية ذات حضور قانوني قوي داخل منظومة العدالة الدولية، لكنه في الوقت ذاته أثار جدلاً سابقاً حول عمله مع أطراف متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.
ومع توليه منصب المدعي العام، برز خان في ملفات دولية حساسة، بينها تسريع تحقيقات في أوكرانيا، وإصدار مذكرات اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما عزز صورته كمدعٍ عام “حازم” في بعض الملفات.
لكن في المقابل، رافق موقفه من الحرب على غزة جدل واسع داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، حيث وُجهت إليه انتقادات تتعلق بتبنيه في البداية الرواية الإسرائيلية لهجوم السابع من أكتوبر 2023، وزيارته السريعة لإسرائيل بعد الهجوم، مقابل تأخره في القيام بخطوات مماثلة تجاه الأراضي الفلسطينية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على نهج غير متوازن في بداية تعاطيه مع الملف.
ومع تقدم التحقيقات في القضية الفلسطينية، وتقدمه بطلب إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، دخل خان في مرحلة تصعيد سياسي غير مسبوق، رافقتها تهديدات علنية وضغوط من شخصيات غربية بارزة، وفق ما أورده في مقابلات وتصريحات إعلامية، ما حوله إلى أحد أكثر المسؤولين إثارة للجدل داخل المحكمة الجنائية الدولية في السنوات الأخيرة.
