ايزنكوت و الانتفاضة الثالثة

الأحد 06 يناير 2019 06:51 م بتوقيت القدس المحتلة

ايزنكوت و الانتفاضة الثالثة

بقلم ناصر ناصر

انتهت فترة ولاية رئيس أركان دولة الاحتلال الجنرال غادي ايزنكوت دون ان يتحقق ما يسمى بالسيناريو ( الاسود ) ، و الذي طارد و ما يزال القادة الامنيين و السياسيين في اسرائيل ، وهو تحول موجات المواجهة المتكررة في الضفة الغربية كحرب السكاكين في 2015 ، و انتفاضة البوابات الالكترونية في الاقصى الى انتفاضة ثالثة واسعة على شكل انتفاضة الاقصى 2000 ، ولقد نسب الكثير من المحللين و المراقبين ذلك الى السياسة الامنية التي قادها ايزنكوت اتجاه الضفة الغربية ، فما هي هذه السياسة ؟ و كيف نجحت ؟

اعتمد رئيس اركان جيش الاحتلال على سياسة واضحة نسبيا اتجاه الضفة الغربية كساحة أو جبهة مواجهة هامة تختلط فيها بالنسبة للاسرائيليين القضايا الامنية مع الابعاد السياسية و الايدولوجية التي دعمت و صعدت من خطاب ضم الضفة الغربية ، خاصة في ظل حكم اليمين الاستيطاني برئاسة نتنياهو ، و لقد اعتمدت سياسة ايزنكوت على ثلاثة مركبات أساسية وهي :

المركب الاول – وهو ما أطلق عليه الردود المحدودة و الملائمة لكل مظهر من مظاهر المقاومة في الضفة الغربية ، و ذلك من خلال اصراره على عدم تغيير قواعد إطلاق النار للجيش ، وهي قواعد مرفوضة في كل حال للفلسطينيين تحت الاحتلال   ، لكنها في المعايير الاسرائيلية الاحتلالية متزنة و محدودة ، ولا تصل لحد استخدام إطلاق النار المكثف الذي تم بقيادة رئيس الوزراء باراك في بداية انتفاضة الاقصى 2000 .

لقد خضعت أوامر إطلاق النار لامتحان علني و عام في قضية استشهاد الفلسطيني عبدالفتاح الشريف من مدينة الخليل على يد الجندي القاتل اليئور افاريا ، حيث رفض و احتج بل و تظاهر جزء كبير من الجمهور الاسرائيلي المشبع بالعنصرية و التطرف ضد قرارات المحاكم العسكرية التي أدانت الجندي القاتل بمخالفة أوامر إطلاق النار ، حينما أقدم على قتل الشهيد عبدالفتاح و هو ملقى على الارض و مصاب بشكل خطير ، بالطبع لم تكن إدانة الجندي و الحكم عليه لفترة قصيرة رحمة من الجيش على الفلسطينيين ، إنما حرصا على التزام الجنود لأوامر قادتهم و محاولة لتجاوز الضجة الإعلامية الواسعة التي رافقت نشر صور القتل على الملأ .

أما المركب الثاني لسياسة ايزنكوت فهو ما أطلق عليه برفض العقوبات الجماعية للفلسطينيين ، كرد على عملياتهم و مقاومتهم حتى لا يتسبب ذلك في إنضمام فئات واسعة من الشعب الفلسطيني لدوائر المقاومة بأشكالها ضد الاحتلال ، و مصطلح العقاب الجماعي فضفاض و يحمل الكثير من الضبابية ، فما يجري في قرية كوبر الفلسطينية هذه الايام ، كما اقتحامات رام الله و نابلس و فرض حصار شامل أو أقل لا يعتبر عقابا جماعيا في سياسة ايزنكوت ، حيث يقارنها بمطالب حكومة اليمين المتطرف ، لا بمطالب العدل و القانون الدولي و الانساني .

و في هذا الاطار فقد أوصى الجيش بالتعاون مع الشاباك بضرورة التوسيع و التخفيف على سكان الضفة الغربية من خلال السماح لحوالي مئة ألف عامل فلسطيني في العمل داخل الخط الاخضر ، و لحوالي 50 الف آخرين للعمل في المناطق الصناعية داخل الضفة الغربية مثل منطقة بركان ، و التي تشكل مثالا لسياسة الجيش ، حيث رفضت دعوات بعض الوزراء لطرد العمال الفلسطينيين منها بعد عملية الشهيد أشرف نعالوة فيها نهاية العام 2018 . 

أكد أيزنكوت المركب الثالث في سياسته وهو المواجهة الامنية الاستباقية ، حيث عزز و كثف من تواجد جنوده في شوارع و مناطق الضفة الغربية  لمنع وقوع أحداث أمنية ، و للسيطرة عليها ومنع تفاقمها ان حدثت ، خاصة في ظل تربص المستوطنين المتطرفين الذين يحتفون و يستغلون كل تصعيد للاعتداء على الجماهير الفلسطينية منطلقين من فلسفة دينية قومية ،و عليه فقد نشر الجيش ستة ألوية إضافة للقوات الخاصة المدربة على محاربة المقاومين الفلسطينيين .

وفي إطار المواجهة الامنية اهتم جيش الاحتلال بتعزيز دور التكنولوجيا المتطورة لمحاربة المقاومة بأشكالها ، و التي تقاد من قبل ( المحور العسكري ) أو المبادرة الفردية – الذئب المنفرد ، أو غيرهم ، فطور وحدات السايبر الخاصة و عزز وحدة 8200 التابعة للاستخبارات و نشر الكاميرات في كل أنحاء و زوايا الضفة الغربية لمنع أو لاكتشاف العمليات الفلسطينية .

تميز ايزنكوت بمعرفته الواسعة لزوايا و خبايا اتخاذ القرار في اسرائيل ، و ذلك نتيجة عمله الطويل كسكرتير عسكري لنتنياهو و اريئيل شارون ، لذا تمكن من فرض سياسته الامنية السابقة على أعضاء الكابينت الاكثر يمينية و تطرفا في تاريخ دولة الاحتلال ، و مما ساعد ايزنكوت في تمرير و فرض سياسته الامنية هو إقامته طاقما خماسيا خاصا للتفكير و للمتابعة للأوضاع في الضفة الغربية ، وهو مكون من رئيس الاستخبارات ، قائد المنطقة الوسطى ، رئيس قسم العمليات ، منسق أعمال المناطق و قائد الضفة الغربية إضافة الى ذلك فقد عزز ايزنكوت تعاونه مع نداف أرجمان رئيس الشاباك ، حيث شكلا جبهة واحدة قوية أمام المستوى السياسي.

و هكذا تمكن ايزنكوت من منع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية من القيام بانتفاضة ثالثة ضد الاحتلال ، لكنه و بكل حال نجاح مؤقت لن يطول وفق سنن التاريخ و الجغرافيا ، و هو ناتج بالاساس عن انقسام الشعب الفلسطيني و تعاون جزءا مهما منه مع الاحتلال من خلال ما يسمى بالتنسيق الامني الذي تقوده السداسية الامنية .