أشغلت الأزمة الأوكرانية الروسية، في الآونة الأخيرة، الساحة الدولية، وأدخلتها في حسابات كبيرة ما بين انتظار الحرب وتداعياتها، أو نجاح الجهود الدبلوماسية واخماد نار الحرب، وما يترتب على تلك الجهود من اتفاقات أو معاهدات لها تأثير في ما بعد على الساحة الدولية.
فروسيا من جانبها لا تريد أن يمتد نفوذ الناتو إلى شرق أوروبا وعلى احتكاك مباشر على الحدود الأوكرانية إذا ما تم قبولها ضمن حلف الناتو، في مقابل رفض أمريكي وأوروبي لمطالب روسيا في هذا الأمر ودعم السياسة الأوكرانية وإمدادها بالسلاح.
وفي خضم تلك النزاعات والمطالب، تقف إسرائيل حائرة أمام تداعيات هذا المشهد، إذا ما تطور إلى اندلاع حرب أو وقوع مناوشات، فإلى أي جانب ستقف وما تداعيات موقفها من الحرب أو من الأزمة على وضعها الداخلي والخارجي في المنطقة.
إسرائيل في موقف لا تحسد عليه، كون هذا الأمر تداعياته جد خطيرة على وضعها، إذا ما كان لها موقف سلبي لأحد الطرفين المتنازعين، ومدى تأثيره على إنجاز مشروعها الاستيطاني والتطبيعي.
- العلاقات مع روسيا
إسرائيل تجد نفسها في موقف محرج من الأزمة، فهي تربطها علاقة قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ذات الوقت، فهي بحاجة إلى الحفاظ على استراتيجيتها مع روسيا التي تسيطر على المجال الجوي في سوريا، الذي يمثل إحدى جبهات الخطر التي قد تمس أمنها.
كما أن علاقة إسرائيل مع موسكو، علاقة قوية وعميقة جدا، وهناك تنسيق أمني كبير بينهما، ولكنها قد تجد نفسها في وضع غير مريح إذا ما اضطرت للمواجهة مع موسكو.
في المقابل، فإن روسيا قد تستخدم ورقة إسرائيل لصالحها، في الضغط على المحور الغربي والتأثير على موقفه من الأزمة مع أوكرانيا، مما يشكل ضغطا أكبر على إسرائيل ويجعلها أكثر المتضررين من هذه الأزمة إذا ما تطور الأمر إلى أبعد من مناوشات وتهديدات واستعدادات عسكرية.
لذا سعت إسرائيل وحكوماتها، إلى العمل كدور الوسيط بين الطرفين المتنازعين، كمحاولة للخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر، والحفاظ على العلاقات القوية مع الطرفين الأوكراني والروسي، وبالتالي الانشغال بأمور أخرى تهم الأمن القومي الإسرائيلي.
وأمام تلك المحاولات التي باءت بالفشل، بعد رفض الرئيس الروسي بوتين لطلب نتنياهو بعقد قمة روسية أوكرانية لرأب الصدع بين الطرفين، وما تبعه لذات الطلب من نفتالي بينت، يجعل الأمر أكثر صعوبة في قادم الأيام.
في ذات الوقت، فإن الموقف الأمريكي من الأزمة وتلويحه بفرض عقوبات اقتصادية ضخمة على الجانب الروسي حال إقدامه على غزو أوكرانيا، يضع إسرائيل في مأزق كبير، كونها ستضطر للمشاركة في فرض هذه العقوبات، وبالتالي سيترتب عليه قطع العلاقة.
قطع العلاقة مع روسيا، سيجعل الطرف الروسي يعيد حساباته في مسألة المجال الجوي السوري، وإطلاق يد إسرائيل في تنفيذ هجمات ضد أهداف إيرانية أو حلفاء وشركاء لها في المنطقة، وعليه فإن وقف التنسيق الأمني قد يكبد إسرائيل خطوات لم تكن في الحسبان، خاصة في ما يتعلق باستراتيجيتها تجاه المخاطر الإيرانية التي تهدد أمنها القومي.
وبالتالي، فإن إسرائيل لا تبدو في وضع مريح وتخشى أن تدفعها الأحداث نحو القفز في أحد المركبين وهو ما سيكون له تداعيات مفصلية على علاقاتها مع الغرب من جهة وعلى أمنها القومي من جهة أخرى.
- الملف النووي الإيراني
يدخل الملف النووي الإيراني في صميم الصراع الروسي الأوكراني، كونه يمثل أحد الأوراق المهمة لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية على حد سواء، فواشنطن تريد انجاز هذا الملف النووي الإيراني في أسرع وقت، للتفرغ إلى العدو والخطر الحقيقي الذي قد يهدد مكانتها العالمية والمتمثل في روسيا والصين، كما حدد بايدن هذا الأمر منذ توليه منصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن يؤثر هذا الملف على حلفاءها في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي تحقيق الهدوء في المنطقة والمحافظة على مصالحها والتفرغ كما ذكرنا سابقا لمواجهة روسيا والصين.
هذا من جانب، أما إيران فينظر إليها بأنها تابعة جيوسياسيا لحلف روسيا والصين، وبالتالي فإن المفاوضات في فيينا ليست مقتصرة على الملف النووي الإيراني، وإنما يدخل ضمن إطار الصراع الروسي الأوكراني الأوروبي، وعليه فإن روسيا تعتبر هذا الملف أحد أوراق الضغط على موقف المحور الغربي من أزمتها مع أوكرانيا.
وفي الآونة الأخيرة، بدأت تفيد بعض التصريحات بقرب الوصول إلى اتفاق، كان آخرها على لسان كبير المفاوضين الإيراني الذي صرح بهذا الأمر، والذي لفت إلى أن الاتفاق لن يتم إلا بالاتفاق على كل شي في هذا الملف وعدم تسويف أو اهمال بعض التفاصيل فيه، والذي قد يشير هذا التصريح إلى المحاولة الأمريكية الحثيثة لإنهاء هذا الملف في أسرع وقت.
الموقف الإسرائيلي من الملف الإيراني متشدد ولا يقبل أن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية احياء الاتفاق النووي مع إيران، حيث نشرت بعض وسائل الإعلام العالمية، أن طرفا إسرائيليا توجه إلى فيينا لمحاولة التأثير والتحذير من احياء هذا الملف، ومدى تأثيره على مشروعها وأمنها.
لكن مع تنصيب جو بايدن، اختلفت السياسة الخارجية الأمريكية عما كانت عليه في عهد دونالد ترامب والتي كان يرأسها اليهودي كوشنر، والذي تتوافق رؤيته مع الرؤية الإسرائيلية من الملف الإيراني، وعلى الرغم من ذلك فإن الخارجية الأمريكية بعثت برسائل طمأنة إلى إسرائيل بأنها ستبقى جانبها.
وبالنظر إلى هذا الموقف الأمريكي، فإن إسرائيل ترى في الملف النووي الإيراني وإيران بشكل عام، خطرا إقليميا يهدد أمنها، وينافسها على التمدد في منطقة الخليج بشكل خاص، وبالتالي زيادة الخطر، في مقابل المساعي الأمريكية لإعادة إحياء الملف النووي الإيراني بشكل أكبر لمنع روسيا من التأثير على الموقف الإيراني وكسبها لصالحها خصوصا في الآونة الأخيرة وما تشهده الساحة الأوكرانية.
هذا الملف وإنجازه، يعقد من مهمة إسرائيل في مهاجمة إيران ومنع تمددها في المنطقة، بسبب فقد الدعم الأمريكي والأوروبي، وفرض القيود على إسرائيل لمنع شن مثل هذه الهجمات، وبالتالي فإن إسرائيل ستزيد من قدرتها وتضع استراتيجية جديدة للتعامل مع إيران إذا ما حاولت تجاوز الخطوط الحمراء وفق وصفها.
تلك القيود المفروضة على إسرائيل، من شأنها التأثير بشكل كبير على الساحة الإقليمية من خلال تغير النظرة الخليجية لإيران وإمكانية استئناف الحوارات بين الدول، وبالتالي فقد السيطرة الكاملة.
هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فإن هذا الإنجاز الإيراني، يزيح الكثير من العقبات في طريق مشروع التمدد، والعمل في الجبهات الأخرى كسوريا والعراق واليمن ولبنان، وبالتالي إعادة الروح القتالية والمواجهة للساحة الإقليمية، وإحاطة إسرائيل بخطر أكبر مما كان عليه سابقاً.
- الجهود الاستيطانية الصهيونية
لم يقف تأثير الأزمة الأوكرانية الروسية، عند حد العلاقات الخارجية والتحركات الدولية الإسرائيلية، وإنما طالت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والأوضاع الداخلية الإسرائيلية.
فإسرائيل التي تسابق الزمن، لتنفيذ مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتهدئة الأوضاع مع قطاع غزة لأطول وقت ممكن، وإعادة ترتيب الأوراق في التعامل مع فلسطيني الداخل المحتل، تصطدم بالأزمة العالمية المتمثلة في الصراع الروسي الأوكراني.
هذا الصراع من شانه أن يفقد إسرائيل الغطاء الدولي الذي ترغبه لشرعنة مشروعها الاستيطاني في القدس بشكل خاص وفي الضفة الغربية بشكل عام، بسبب التركيز على الأزمة وتداعياتها الخطيرة على السياسة العالمية، وبالتالي فإن فتحت أي جبهة من الجبهات الأخرى قد يعود بالضرر عليها.
ولقد شهدت الآونة الأخيرة، تصاعد وتيرة المواجهات في الضفة الغربية والقدس، والداخل المحتل، بسبب زيادة وتيرة المشاريع الاستيطانية في كل المناطق، وما يرافقها من اعتداءات على الأهالي والمواطنين الفلسطينيين.
وآخر تلك الأحداث، ما حدث في حي الشيخ جراح بالقدس من اعتداء المستوطنين على أهالي الحي، واقتحام عضو الكنيست ايتمار بن غفير للمكان وانشاء مكتب برلماني فيه، بدعوى أن الأرض لهم وأنه يقف بجانب المستوطنين لتحقيق مصالحهم وتهجير الفلسطينيين من منازلهم.
الأمر أحدث انفجارا في الحي، وزادت وتيرة المواجهات والاشتباكات بين الطرفين، مما أثار اشتعال القدس بأكملها، ومناطق الضفة الغربية التي زادت فيها العمليات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
هذا التوتر في المنطقة، قوبل برسائل من الرئيس الأمريكي جو بايدن، لرئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينت بإعادة الهدوء إلى حي الشيخ جراح والقدس المحتلة، لأن الوضع العالمي لا يحتمل أي تطورات أو اندلاع مواجهات في أي من الساحات الدولية، والاكتقاء بالتركيز على الأزمة الأوكرانية الروسية.
وبالتالي فإن هذا الأمر يزيد من حد الاختلاف في الأوساط السياسية الإسرائيلية ما بين مؤيد لاستمرار المشاريع الاستيطانية وما بين متفهم للسياسة الدوليةـ، وخاضع للإملاءات الأمريكية التي يرافقها تهديدات من قطاع غزة، بأن الأمر قد ينفجر من جديد في وجه الاحتلال كما حدث في معركة سيف القدس العام الماضي.
وعليه يمكن القول، بأن هذه الأزمة لها تأثير على الموقف الإسرائيلي من استكمال مشروعه الاستيطاني على أرض فلسطين بشكل أسرع، وما بين المحافظة على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بشكل كبير.
- الساحة الداخلية الإسرائيلية
وعلى الساحة الداخلية الإسرائيلية، فإن اتخاذ أي موقف أو الإبقاء على الصمت من شأنه ان يكون له تأثير كبير على إسرائيل، ففي عام 2014 كان الموقف الإسرائيلي الصامت من ضم روسيا شبه جزيرة القرم، قد أشعل الصراع الداخلي بين الوافدين من أوكرانيا والوافدين من روسيا.
وبالتالي فإن هذا الأمر سيفرض مزيدا من الحذر على إسرائيل إزاء تلك الأزمة وما قد يترتب عليه، حيث يقيم أكثر من 500000 مغترب أوكراني، وأكثر من 400000 مهاجر روسي وبالتالي فإن أي احتمال لوقوع حرب بين البلدين سيصبح أيضا قضية سياسة داخلية لإسرائيل، وقد يزيد الطين بلة في ظل وجود نزاع سياسي كبير في الأوساط الداخلية، وما يترتب عليه من ضعضعة الموقف الإسرائيلي في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية.
