تقرير – شهاب
في غزة، عندما يُسلم الناس على بعضهم البعض يرددون كلمة واحدة "الحمد لله على سلامتك"، ولا يُسأل الناس بعضهم "هل أصابتك الحرب؟" حيث يُسألون "كيف أصابتك؟"، كيف حجم الضرر التي طالك خلال الحرب؟، هذه أسئلة الاطمئنان على بعضهم البعض بعد توّقف عداد الموت موقتًا.
فبعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي طالت الحجر والشجر والبشر، والقصف المستمر، والحصار الطويل، والدمار الذي طال كل بيت وشارع، لم يبقَ أحد في قطاع غزة إلا ونال نصيبه من الجرح أو الفقد أو التشريد أو العذاب والألم.
في هذه المدينة الساحلية الصغيرة، الممتدة على شريط لا يتجاوز طوله 40 كيلومترًا، أصبح الألم والهم والمعاناة هو القاسم المشترك بين أكثر من مليوني إنسان، فلم يعد هناك ناجون نهائيًا فكل بيت يحمل قصة، وكل شارع يشهد على دمٍ أو صرخةٍ أو وداعٍ لم يكتمل.
وبعد عامين من الحرب، لا يمكن الإشارة إلى "الضحايا" كفئة محددة في غزة، لأن الكل أصبح ضحية، فمن استُشهد فقد الألم، ومن نجا حمله معه إلى الأبد.
وجع لا يُحصى
يقول الطبيب سامي أبو جراد، الذي يعمل في أحد المراكز الطبية المؤقتة في مدينة دير البلح وسط القطاع: "نحن لا نطبّب جرحى فقط، نحن نحاول أن نعيد الحياة إلى أشخاص فقدوا القدرة على الإحساس بها، كل مريض هنا فقد أحدًا أمًا، أخًا، بيتًا، أو أطرافه.. لا أحد خرج سليمًا من هذه الحرب".
بحسب منظمات الإغاثة الدولية، فإن أكثر من 80% من سكان القطاع أصبحوا بلا مأوى دائم، وأغلب المرافق الطبية إمّا دُمّرت كليًا أو تعمل بقدرة شبه معدومة.
أما الأطفال، الذين يشكلون نصف سكان غزة تقريبًا، فباتوا الوجه الأوضح للحرب، بين من فقد ذويه، ومن نجا بجسدٍ منهكٍ وروحٍ لم تعد تعرف النوم.
تقول أم لؤي، وهي أمٌّ فقدت ابنها وزوجها في غارة استهدفت حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، "لم يعد عندنا بيوت نعود إليها، ولكن سنعود وسنعيش بين الأنقاض.. كل من حولي فقدوا شيئًا أو أحدًا، حتى من نجا من القصف، لم ينجُ من الفقد".
كما أن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن أكثر من 70% من مباني غزة تضررت أو دُمّرت بالكامل، والمدن القديمة مثل غزة وخان يونس ورفح أصبحت خرائطها تبدو مختلفة كليًا، كأنها مدن خرجت من الحرب العالمية الثانية.
في سجون الاحتلال، يقبع آلاف من شباب غزة الذين أُسروا خلال الاجتياحات المتكرّرة، بعضهم بلا تهم واضحة، وبعضهم دون تواصل مع ذويهم منذ شهور.
أما في المستشفيات المؤقتة، فيُروى فصل آخر من القصة، فهناك أجساد مبتورة، وعيون فقدت النظر، وأحلام لم تجد مكانًا لتعيش فيه.
المتطوعة نور العطار من منظمة الهلال الأحمر قالت: "منذ عامين ونحن ندفن، ونعالج، ونواسي.. لم نرَ أحدًا عاد إلى حياته السابقة.. لم يبقَ في غزة ناجٍ بالمعنى الإنساني.. كلنا جرحى، حتى ونحن أحياء".
ورغم الوعود بإعادة الإعمار، ما زال سكان القطاع يعيشون في خيام مؤقتة، وشوارع يغمرها الركام، والكهرباء منعدمة، والمياه شحيحة، والبطالة تجاوزت كل الأرقام الممكنة.
ومع ذلك، لا يزال الغزيون متمسكين بخيطٍ رفيعٍ من الأمل، يرونه في ضحكة طفل، أو في إعادة فتح مدرسة وسط الدمار.
حيث يقول أحد الشباب في غزة: "نحن لا نعيش رغم الحرب، بل نعيش بها.. الحرب أصبحت جزءًا من يومنا، مثل الخبز والماء والسماء الملبّدة".
لم تستثنِ أحداً
ومن جانبه، ذكر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أنّ آثار جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة لم تستثنِ أحداً من سكان القطاع، ووثّقت استشهاد أو إصابة أو اعتقال أكثر من 270 ألف إنسان، أي ما يقرب من 12% من إجمالي عدد السكان، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ونشر المرصد الحقوقي؛ إحصاءات أولية قال إنها صادمة عن الواقع في غزة، ووثّق آثار أكثر من عامين من جريمة الإبادة الجماعية في القطاع، وتشمل القتل والإصابات، والاعتقالات التعسفية، والتدمير، ونزع الملكية، فضلاً عن التهجير القسري، وانعدام الأمن الغذائي، والحرمان من خدمات الصحة، والتعليم، والآثار النفسية التي طاولت جميع سكان القطاع.
وبحسب إحصاءات فريق الأورومتوسطي، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي، على مدار أكثر من عامين، نحو 75190 فلسطينياً في قطاع غزة، بينهم ما لا يقلّ عن 70248 منهم (أو 90%) مدنيون، بمن في ذلك 21310 أطفال (30% من إجمالي الضحايا)، و13987 امرأة (20% من إجمالي الضحايا).
ووثّق المرصد الأورومتوسطي إصابة نحو 173200 فلسطينيّ في قطاع غزة، يُعاني عشرات الآلاف منهم من إعاقات دائمة أو إصابات بالغة، تشمل حالات بتر في الأطراف، وحروقاً شديدة، وتشوّهات جسدية، وإصابات في العمود الفقري والعينين، إلى جانب اضطرابات نفسية حادّة ناجمة عن الصدمات المتكررة، وفقدان الأحباء والمنازل.
وبيّنت الإحصاءات أن نحو 40 ألف شخص أصيبوا بإعاقات دائمة أو طويلة الأمد، منهم ما يقرب من 21 ألف طفل، وتنوّعت الإعاقات بين 76% في الأطراف العلوية، و24% في الأطراف السفلية.
وإلى جانب ذلك، وُثِّق وجود نحو 45 ألفاً و600 طفل يتيم فقدوا أحد الوالدين أو كليهما نتيجة الهجمات العسكرية الإسرائيلية، فيما لا يزال آلاف الأطفال يجهلون مصير ذويهم بسبب وجود آلاف المفقودين، إما تحت الأنقاض أو داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية.
وكنتيجة مباشرة لجريمة التجويع التي تنتهجها إسرائيل ضد سكان قطاع غزة منذ بدء الإبادة الجماعية، وثّق المرصد وفاة 482 فلسطينياً بسبب سوء التغذية، بينهم 160 طفلاً، كما لا يزال جميع سكان القطاع (100%) يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، رغم سماح الاحتلال بدخول محدود للبضائع والمساعدات الإنسانية، في ظلّ استمرار القيود المفروضة على المعابر ومنع إدخال المواد الغذائية الأساسية.
وبيّن الأورومتوسطي أن سكان القطاع بأكملهم، بلا استثناء، تعرّضوا لصدمات نفسية بدرجات متفاوتة، وأن هذا التعرض المتواصل للعنف أدّى إلى ما يمكن وصفه بإجهاد نفسي جماعي، إذ تُصاب المجتمعات بكاملها باضطرابات مترابطة نتيجة الكارثة المستمرة.
ولفت المرصد إلى أن ما يصل إلى 99% من سكان قطاع غزة اضطروا للنزوح قسراً من منازلهم مرّة واحدة على الأقل خلال العامين الماضيين؛ إما بسبب تدمير منازلهم واستهدافها على نحو مباشر، أو نتيجة لأوامر التهجير القسري الإسرائيلية، أو خوفاً من الاستهداف، أو بسبب تضرّر منازلهم ومناطقهم وتدمير البنى التحتية، ما حال دون قدرتهم على البقاء في تلك المناطق.
وفي ما يتعلّق بإبادة المدن، فقد وثق المرصد الأورومتوسطي تدميراً واسعاً وأضراراً طاولت مناطق القطاع كافة تقريباً، إذ انتهج جيش الاحتلال الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة، وعمد إلى تدمير البنى التحتية والممتلكات والمباني الحيوية الرئيسية، حيث تعرضت نحو 80% من المباني إلى التدمير الكامل أو الضرر، من ضمن ذلك 555 ألف وحدة سكنية دُمرت كلياً أو تضررت بشدة، و3300 منشأة صناعية، إلى جانب 191 مقرّاً صحافياً و621 مدرسة.
وأوضحت الإحصاءات أن نحو 95% من المدارس والجامعات و100% من المستشفيات في قطاع غزة إما دُمرت أو تضررت، أما الأماكن الدينية والأثرية، فقد دُمر أو تضرر 890 مسجداً و3 كنائس، إلى جانب 205 مواقع تاريخية وأثرية.
وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ وتقليص جيش الاحتلال الإسرائيلي هجماته العسكرية على قطاع غزة لا يعني وقف جريمة الإبادة الجماعية، إذ تُواصل السلطات الإسرائيلية ارتكابها منهجياً وباستمرار، رغم تراجع وتيرة القصف العلني، إذ لا تزال تستهدف المدنيين مباشرة، وتفرض إجراءات تعسفية تشمل حصاراً خانقاً، وإغلاق المعابر أمام الأفراد، وقيوداً صارمة على دخول المعدّات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام والبحث عن المفقودين، فضلاً عن تقييد تعسفي لدخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية والمستلزمات الطبية.
وأكد المرصد أن اتفاق وقف إطلاق النار يجب ألّا يُعيق أو يؤخر أي جهود لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية والوطنية المختصة، وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية على إسرائيل، بسبب انتهاكها المنهجي والخطير للقانون الدولي، بما يشمل حظر تصدير الأسلحة إليها أو المنتجات ذات الاستخدام المزدوج، أو شرائها منها، ووقف أشكال الدعم والتعاون السياسي والمالي والعسكري المقدمة إليها كافة، وتجميد الأصول المالية للمسؤولين المتورطين في الجرائم ضد الفلسطينيين، وفرض حظر السفر عليهم، إلى جانب تعليق الامتيازات التجارية والاتفاقيات الثنائية التي تمنح إسرائيل مزايا اقتصادية تمكّنها من الاستمرار في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين.
وحثّ المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي على العمل فوراً، وفقاً لالتزاماته القانونية، لإنهاء الأسباب الجذرية لمعاناة الشعب الفلسطيني واضطهاده على مدار 77 عاماً، وضمان حق الفلسطينيين في العيش بحرية وكرامة وتقرير المصير وفقاً للقانون الدولي، والعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية، وتفكيك نظام العزل والفصل العنصري المفروض ضد الفلسطينيين، والانسحاب الكامل للوجود الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة لعام 1967، ورفع الحصار غير القانوني عن قطاع غزة، وضمان مساءلة الجناة الإسرائيليين ومحاسبتهم، وكفالة حق الضحايا الفلسطينيين في التعويض والانتصاف.
