"كأن الأرض نفسها تبكي جوعهم"..

شهداء الطحين المغمّس بالدم.. كانوا على موعد مع الخبز فسبقهم الموت

شهداء الطحين المغمّس بالدم.. كانوا على موعد مع الخبز فسبقهم الموت

تقرير - شهاب

كان الشارع ساكنًا إلا من صوت أزيز الرصاص والأمعاء الخاوية، على الإسفلت الحارق، تمددت أجساد فتية لم تحمل سلاحًا، بل أكياس طحين، لا لتحملها إلى البيت، بل ليرقدوا عليها إلى الأبد في زمن الموت والجوع، الذي أصبح الطريق إليه طريقًا إلى القبر.

شاب في مقتبل العمر، ممدد بجسده النحيل فوق كيس طحين ممزق، كأنما يحتضنه بشدة، يحميه من الريح والموت معًا، وجهه مغطى بالدم والتراب، وذراعه ملتفة حول الطحين كما لو كان وسادة حلم جائع، أو أمه التي لم يعد إليها، وإلى جانبه، جسد آخر، هامد، مسجى فوق كيس مماثل، كأنهم في نوم جماعي سرمدي فرضه الحصار.

الطحين مبعثر على الأرض كدم أبيض، كأن الأرض نفسها تبكي جوعهم، لم يكن مشهد موت فقط، بل مشهد من الحياة وقد وصلت إلى ذروتها في القسوة، شباب يُقتلون وهم يبحثون عن ما تبقى من الخبز.

هذه ليست صورة فقط، إنها شهادة على حصار لا يقتل بالسلاح فقط، بل بالتجويع، بالترويع، بحرمان الإنسان من أبسط حقوقه، أن يأكل أبسط الطعام وأن يعيش أيسر معيشة.

منذ بدء الحرب، تجاوز عدد الشهداء أكثر من 53 ألفًا، نصفهم من الأطفال والنساء، لكن رقمًا آخر لا يقل هولًا يتشكل في الظلال عن عدد من ارتقوا جوعًا، أو حُرموا من الغذاء والدواء حتى تساقطت أجسادهم قبل أرواحهم.

الأمم المتحدة وصفت الوضع بـ"الأسوأ منذ عقود"، مؤكدةً على أن أكثر من مليونين إنسان في غزة مهددون بالمجاعة الكاملة، وسط منع وصول المساعدات الإنسانية أو قصفها قبل أن تُفرغ حمولتها.

الصورة التي تُظهر الشابين الممددين على الطحين، لاقت رواجًا وحزنًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدين على أن الصورة لا تُنسى، وأنها صرخة في وجه العالم، تسأله: كم شابًا يجب أن يُقتل على كيس طحين، قبل أن تتحرك ضمائركم؟

الصحفية أمل حبيب، كتبت على صفحتها بموقع (X)، قائلةً: "واضح جدًا، سقى الدم الأرض والطحين!.. سقط الشباب، سقط الخبز!، واضح جدًا، الطحين في غـزة أغلى من الروح، أغلى من الأمان، لا أمان والناس جياع".

وأضافت: "كل شيء واضح في هذه الصورة، قاسية جدًا هذه الصورة، لكنها نحن. نعود إلى بيوتنا في حي الشـجاعية رغم النار والمـوت لأننا نريد خبزًا من ركام الحجارة، لأن صغارنا يصرخون ليلًا من الجوع، يرفضون النوم دون رغيف!، كل رغيف نأكله الآن يحمل اسمًا، ورائحة دم ووجه شـهيد!".

الصحفي الفلسطيني يوسف شرف الذي فقد جميع أفراد عائلته خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، علق بالقول: "هذا موتنا وجوعنا في لقطة واحدة".

 

كما كتب الناشط تركي الشلهوب، على صفحته بموقع (X)، تعليقًا على الصورة: "استشهد فوق كيس الطحين!.. يعلم الله كم عانى للحصول على هذا الكيس، ويعلم الله كم جائع كان ينتظره.. هذا الشاب قتله خذلان العرب له قبل أن يقتله سلاح الاحتـلال".

الداعية مجدي المغربي، قال في منشور له عبر صفحته بمنصة (X): "لقمة العيش، وغَرفة الطحين المخلوطة بالدّم.. تقام ولائم وعزائم للعين ترامب ولمرافقيه الكفرة من أموال الأمّة بملايين الدولارات، بينما تَقتل صواريخه وقنابله الضخمة الأبرياء في غزة والجوعى الباحثين عن كسرة خبز، وكفّ طحين". 

وعلقت الناشط المصرية، سارة مرسي، على الصورة المؤثرة، بالقول: "الخبز المغمّس بالدم.. هذا المشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية الناجمة عن استمرار الحصار والتجويع الناتج عن العدوان الإسرائيلي المتواصل".

حساب "محمد الفاتح" كتب على صفحته، "من أجل كيس دقيق ماتوا في غزة، قَتلتهم قوات الاحتلال عندما حاولوا الحصول على كيس دقيق في شرق حي الشجاعية.. الذين حاولوا الحصول على الطعام قُصفوا حتى الموت، والذين انتظروا وصوله ماتوا جوعاً"

كما كتب الحساب "الأحداث الفلسطينية"، كتب معلقًا على الصورة، "الخبر المغمس بالدم يحمل في طياته صرخة الأرض وحكاية أمة تُزهق على مذبحة القهر والصمت".

وكتب الناشط "أبو همام" أيضًا: "هذان الشابان الصغيران قتلا اليوم في حينا حي الشجاعية وقد خاطرا بحياتهما لكي يأتوا بالطحين من بيوتهم التي نزحوا منها، كيس الطحين 25 كيلو، سعره لا يقل الان عن ما يقارب 1500 ريال.. لذلك يذهبون إلى الموت من أجل يوفرا الطعام لأهليهم.. ألا موت يباع فاشتريه فهذا العيش مالا خير فيه".

يعتبر القانون الدولي الإنساني استخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين جريمة حرب، ومع ذلك فإن الصور المتكررة للأطفال الهزالين، والنساء اللاتي يختبئن في الأنفاق ليخبزن فتات الخبز، والرجال الذين يُقتلون وهم يركضون نحو كيس دقيق، تشير إلى واقع أبعد من التصنيفات القانونية.

 

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة