من وعد بلفور إلى خطة ترامب: ذاكرة الفلسطيني بين وعود الاستعمار وخرائط الإبادة

خاص / شهاب

في ذاكرة الفلسطينيين المعبّدة بويلات الإبادة تطلّ عليهم ذكرى وعد بلفور بعد مرور 108 أعوام، وما زالت فلسطين تعيش تبعاته على نحوٍ دموي لم يعرفه التاريخ المعاصر، إذ تتقاطع ذاكرة الوعد المشؤوم عام 1917 مع مشاهد الإبادة الجارية اليوم في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، لتبدو الحرب الحالية امتدادًا مباشرًا لذلك التعهّد الاستعماري الذي منح اليهود أرض الشعب الفلسطيني في أسوأ مقامرة سياسية.

الوعد والبارود

ففي الوقت الذي كتب فيه اللورد آرثر بلفور رسالته إلى اللورد روتشيلد قبل قرن، كانت بريطانيا ترسم ملامح مشروع استيطاني غيّر وجه المنطقة. واليوم، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترجمة تلك الرؤية الاستعمارية القديمة إلى واقع جديد، عبر خطة عسكرية وسياسية تستهدف "إنهاء غزة" و"تفريغها من سكانها"، وفق ما أوردته تقارير صحيفة هآرتس (أكتوبر/تشرين الأول 2025) وتصريحات موثقة له خلال اجتماعات الحكومة الإسرائيلية.

بين الحبر الذي كتب به بلفور وعده والبارود الذي يسكبه نتنياهو على غزة، تمتد أكثر من مئة سنة من السياسة نفسها: نفي الفلسطيني من أرضه باسم "الأمن اليهودي" و"الحق التاريخي".

في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أحد أبرز زعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا، أعلن فيها دعم حكومته لإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، وهي الرسالة التي عُرفت لاحقًا باسم وعد بلفور.

نصُّ الرسالة، المحفوظ في أرشيف الخارجية البريطانية (الوثيقة رقم FO 371/3057)، لم يتجاوز 67 كلمة، لكنه شكّل نقطة التحوّل الأهم في التاريخ الفلسطيني الحديث، إذ منح بموجبه الاستعمار البريطاني أرضًا لا يملكها لشعب آخر لم يكن يسكنها، متجاهلًا وجود أكثر من 700 ألف فلسطيني كانوا يعيشون على أرضهم آنذاك، وفق إحصاءات الموسوعة الفلسطينية وأرشيف الأمم المتحدة لعام 1918.

ويرى مؤرخون فلسطينيون – منهم الدكتور وليد الخالدي في دراسته "قبل الشتات" الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية (بيروت، 1992) – أن وعد بلفور مثّل "الأساس القانوني والسياسي لنكبة فلسطين"، لأن بريطانيا لم تكتفِ بإعلانه بل عملت على تنفيذه عمليًا أثناء فترة الانتداب (1920-1948) عبر تسهيل الهجرة اليهودية ومصادرة الأراضي الفلسطينية.

ومع انتهاء الانتداب عام 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل، كان الفلسطينيون قد خسروا أكثر من 78% من أراضيهم، في أولى نتائج الوعد الذي لم يُكتب لصالحهم، بل ضده.

بعد أكثر من قرن على "الوعد المشؤوم"، لا يزال الفلسطينيون يعيشون تداعياته اليومية على أرض الواقع. فبينما كان وعد بلفور في 1917 تصريحًا سياسيًا أعطى اليهود حقًا في وطن غير وطنهم، فإن الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تُعدّ – بحسب توصيف الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية – استمرارًا عمليًا لذلك الوعد بوسائل أكثر فتكًا.

تقرير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الصادر في أكتوبر 2025 يؤكد أن إسرائيل "مارست سياسة تدمير شامل للبنية التحتية المدنية في غزة، ما يرقى إلى جريمة إبادة جزئية بحق السكان"، وهي لغة لم تستخدمها الأمم المتحدة منذ الإبادة في رواندا.

كما أشار تقرير منظمة العفو الدولية (أمنستي) إلى أن ما يجري في القطاع هو "استكمال لمشروع استعماري استيطاني بدأ بوعد بلفور، ويتغذى على ذات الفكرة القديمة: إفراغ الأرض من سكانها الأصليين".

وعد لم يُسحب بعد

المفارقة المؤلمة أن الفلسطينيين الذين طُرد أجدادهم من يافا واللد وصفد عام 1948 بفعل تنفيذ وعد بلفور، هم أنفسهم اليوم من يعيشون تحت القصف في غزة.

وفق تقديرات مركز بديل للدراسات (بيت لحم، 2024)، فإن أكثر من 70% من سكان غزة هم من اللاجئين أو أحفاد اللاجئين الذين هجّروا قسرًا بعد النكبة.

يقول الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة، مؤسس هيئة أرض فلسطين، في أحد مقالاته المنشورة بـمجلة الدراسات الفلسطينية (عدد خريف 2023)، إن "كل قنبلة تُلقى اليوم على غزة هي توقيع متجدد لوعد بلفور".

ويضيف أن استمرار الصراع بعد قرن "ليس نتيجة حروب منفصلة، بل استمرار لوعد لم يُسحب بعد".

وهكذا، تتحول غزة إلى مرآة للذاكرة الفلسطينية المفتوحة: مدينة تختصر قرنًا من السياسات الاستعمارية، وتعيد تعريف الوعد القديم ليس كنصّ سياسي، بل كفعل تدميري ممتد يطارد الفلسطينيين جيلًا بعد جيل.

بعد مرور أكثر من مئة عام على وعد بلفور، يبدو أن بنيامين نتنياهو يسعى لإحياء جوهر الوعد ذاته، ولكن بلغة القوة العسكرية بدلًا من الدبلوماسية. فبينما منحت بريطانيا قبل قرنٍ أرض فلسطين "وعدًا" لليهود بإقامة وطن قومي، يقدّم نتنياهو اليوم "خطة أمنية" لإعادة هندسة غزة ديمغرافيًا وسياسيًا بعد عامين من حرب الإبادة.

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية وثيقة داخلية من مكتب رئيس الحكومة بعنوان "تصور اليوم التالي في غزة"، تتضمن بنودًا أبرزها "إعادة توطين الفلسطينيين في دول ثالثة" و"إنشاء منطقة أمنية عازلة بعمق 5 كيلومترات داخل القطاع" و"منع إعادة إعمار المناطق الشمالية".

يرى محللون أن هذه الخطة ليست مجرد سياسة حرب، بل استمرار للفكر الصهيوني الذي تأسس على وعد بلفور نفسه، أي مشروع "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، كما كتب الباحث الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" (دار وان وورلد، 2006).

ويتقاطع هذا التحليل مع ما ورد في تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (جنيف، يوليو 2025)، الذي حذّر من أن "الخطة الإسرائيلية لإفراغ غزة من سكانها تُمثل إعادة إنتاج ممنهجة لسياسات التهجير القسري التي بدأت مع وعد بلفور والانتداب البريطاني".

وفي مقابلة مع شبكة BBC بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول 2025، قال نتنياهو صراحة إن "إسرائيل لن تسمح بعودة السيطرة الفلسطينية على غزة"، في إشارة إلى سعيه لخلق واقع دائم ينسف فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة التي وعد بها المجتمع الدولي.

المفارقة الصارخة، إذًا، أن وعد بلفور أعطى الفلسطينيين أول نكبتهم بوعد مكتوب، بينما يمنحهم نتنياهو نكبة جديدة بوعد مُسلّح. وبين وعدين تفصل بينهما 108 أعوام، يستمر الفلسطينيون في دفع الثمن ذاته: الأرض تُنتزع، والذاكرة تُقصف، والعالم يكتفي بالمشاهدة.

بعد 108 أعوام على رسالة بلفور، تبدو النتيجة واضحة ومرة: الوعد لم يبقَ وثيقة تاريخية فحسب، بل صار مشروعًا مستمرًا تُترجمه سياسات وممارسات قائمة على التهجير والتفريغ. نص بلفور وما تبعه من سياسات انتدابية مَهّدا لولادة واقعٍ اتّخذ أشكالًا عدة — استيطانًا، تهجيرًا، حصارًا — وها هو اليوم يتجسّد في أشكالٍ عسكرية وسياسية أحدثها ما شهده قطاع غزة من تدمير واسع وحملات طرد وعمليات إخلاء متكررة.

توثيق الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان يشير بوضوح إلى أن سياسات الإخلاء المنهجي في غزة عرضت السكان لخطر النقل القسري ومنع إعادة الإعمار، وهو ما يضع هذه السياسات ضمن دائرة الانتهاكات التي تُعيد إنتاج نتائج الوعد، لكن بأدوات عسكرية حديثة.

المفارقة الكبرى أنها ليست مسألة أقوالٍ متشابهة عبر الزمان، بل خريطة أهداف متطابقة: بلفور قدّم الشرعية السياسية لوجود مشروع قومي على أرض متنازع عليها، أما الخطط الإسرائيلية المعاصرة – كما نقلتها تقارير داخلية وتحليلات إعلامية – فتعمل على جعل هذا المشروع حقيقة ديموغرافية من خلال تفريغ مناطق وإعادة هندستها ديموغرافيًا (منطقة عازلة، منع إعادة إعمار، نقل أو إعادة توطين السكان).

هذه الأدوات قد تكون مختلفة (دبلوماسية/استعمارية ثم عسكرية/أمنية)، لكن النتيجة تتقاطع: تراجع أو نفي واقع وجود الفلسطينيين في أماكنهم الأصلية. تقارير صحفية وتحليلات محلية ودولية رصدت مسارات الخطط وموادها الداخلية.

تواطؤ دولي

من جهة أخرى، المؤسسات الحقوقية الدولية صعّدت لغة توثيقها ووصفها للأفعال في غزة، فبعضها ذهب إلى توصيفات صارمة شملت استنتاجات حول جرائم خطيرة – بينها اتهامات بعمليات التهجير القسري أو حتى ادعاءات تطاول وصفات جنائية أعلاها وصفات تُستخدم عادة لحوادث إبادة أو تطهير عرقي – وهو ما يجعل ربط السياسات الحالية بجذورها التاريخية أمرًا ليس فقط رمزيًا أو بلاغيًا، بل موضوعيًا ومُسنَدًا بدلائل ميدانية وقانونية.

هذا الربط لا يلغِي عناصر التعقيد القانوني والسياسي، لكنه يضع الحدثين (1917 و2020s) على جدول تحليل واحد: كيف تترجم وعود سياسية إلى سياسات ميدانية تُغيّر ديموغرافيا الأرض.

إذا كان التاريخ قد بدأ برسالة مختصرة لكنها حاسمة، فإن الزمن الحاضر يقرأ الدرس ذاته بمرارة: السياسات التي تولدت عن ذاك الوعد لم تُلغَ، بل تكيّفت وتحديثت. وفي غياب آليات دولية ملزمة تُوقف مسلسل العنف وتُعيد الحقّ في الحماية والعيش الكريم، يبقى الفلسطينيون هم الطرف الذي يدفع الثمن المادي والسياسي والإنساني على امتداد الأجيال. هذا لا يعني أن كل عنف اليوم يعادِل بالمعنى القانوني كل نصّ تاريخي، لكنه يؤكد أن الخطوط التاريخية للنكبة ممتدة، وأنها تصل بين رسالة استعماريّة ووقائع حرب وتهجير معاصرة.

قراءة وعد بلفور اليوم لا يجب أن تبقى مسألة أرشيفية نظرية، بل ينبغي أن تكون مدخلًا لفهم لماذا تُعاد أسئلة الأرض والهوية والحقوق من جيل إلى آخر، ولماذا تبقى الذاكرة الفلسطينية – بوصفها سجلًّا جماعيًا للتحرّش بالوجود – الوسيلة الأبرز لمقاومة محاولات الطمس. إذًا، السؤال الذي يفرض نفسه أمام العالم الآن ليس فقط عن مسؤولية الماضي، بل عن مسؤولية الحاضر: هل ستسمح المؤسسات الدولية والقوى السياسية بترك المشروع الاستعماري السابق يكمل مساره عبر أدوات حديثة؟ أم ستتحمّل مسؤوليات وقف مفاعيل ذلك الوعد الذي لم يُسحب؟

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة