محو الذاكرة الفلسطينية.. كيف فقدت غزة كنوزها الأثرية في أكبر عملية تدمير ونهب بتاريخها الحديث؟

محو الذاكرة الفلسطينية.. كيف فقدت غزة كنوزها الأثرية في أكبر عملية تدمير ونهب بتاريخها الحديث؟

تقرير _ شهاب 

على مدار عامين كاملين من حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، لم يقتصر عدوانه على البشر والحجر والبنية التحتية، فقد امتدّ إلى الذاكرة التاريخية والموروث الثقافي الفلسطيني، في واحدة من أوسع عمليات التدمير والنهب الأثري التي يشهدها العصر الحديث.

ووفق تقديرات مؤسسات التراث الفلسطينية وتقارير باحثين ميدانيين، فإن الاحتلال سرق نحو 17 ألف قطعة أثرية كانت محفوظة في متاحف غزة ومراكز الأبحاث والمخازن الحكومية، إلى جانب تدمير شبه كامل للمواقع الأثرية الممتدة من العصر الروماني والبيزنطي والإسلامي حتى الحقبة العثمانية.

ووفق مراقبون، فإن الاحتلال يستهدف التاريخ الفلسطيني الذي يثبت به الفلسطينيون أحقيتهم بالأرض وكان شاهدًا على حضارات ودول عملاقة، في معركة الدفاع عن الهوية والقضية، لذلك يحاول في مخططاته محوها ليكون صاحب الأرض والسيادة.

قطاع غزة الصغير الذي دكه الاحتلال الإسرائيلي بجميع أنواع الأسلحة لطالما كان مركزاً مهماً للثقافة والتجارة على مدى قرون طويلة خلال الخلافة الإسلامية والخلفاء الراشدين، والحكم البيزنطي والروماني واليوناني والمصري، وكل حضارة تركت فيها آثاراً عريقة تدل على عمق المكان. 

هكذا تحوّل قطاع غزة، الذي يعد واحدًا من أغنى مناطق شرق المتوسط بالآثار، إلى مسرح لواحدة من أوسع عمليات الإبادة الثقافية في العصر الحديث، حيث جرى تدمير جميع المواقع الأثرية تقريبًا، ونهب مقتنيات لا تُقدّر بثمن، في انتهاك صارخ لاتفاقية لاهاي وقوانين حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.

وذلك باعتراف منظمة "عمق شبيه" الإسرائيلية اليسارية المختصة بشؤون الآثار في تغريدة عبر حسابها على منصة "X"، التي قالت إن "حرب إسرائيل على غزة أدت إلى تدمير مئات المواقع الأثرية والتاريخية داخل القطاع". 

 

نهب منظم

مصادر حكومية فلسطينية وخبراء آثار أفادوا بأن الاحتلال استولى خلال الاجتياحات البرية على ما يقارب 17 ألف قطعة أثرية كانت مخزّنة في المتحف الوطني الفلسطيني، ومخازن وزارة السياحة والآثار، ومركز رشاد الشوا الثقافي، ومرافق جامعية ومراكز أبحاث تحتضن مقتنيات تاريخية.

ووفق شهادات موظفين عاينوا المواقع بعد انسحاب الجيش، فقد جرت عمليات النهب بشكل منظم، حيث صودرت العملات المعدنية القديمة، والأختام الكنعانية، والجرار الفخارية، والأدوات البرونزية والحديدية، والتماثيل الصغيرة، والمخطوطات النادرة، والتحف الزجاجية والفسيفسائية.

كما وصفت مؤسسات حقوقية هذه العملية بأنها "أكبر سرقة آثار في تاريخ القطاع الحديث"، مؤكدة أن نقل هذه المواد يُعد انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي باعتبارها ممتلكات ثقافية تحت الاحتلال.

ويؤكد خبراء التراث أن عملية التدمير والنهب لا يمكن فصلها عن الهدف الأعمق للحرب، وهو محو الموروث التاريخي الفلسطيني، بما فيه الأدلة المادية التي تؤكد الوجود الحضاري لفلسطين عبر آلاف السنين.

وأشار باحثون إلى أن الاحتلال سبق أن اتبع ذات النهج في الضفة الغربية، حيث استولى على مواقع أثرية كاملة وضمّها إلى "المسار التوراتي" المزعوم، في محاولة لإعادة صياغة هوية المنطقة التاريخية.

ويمثل فقدان 17 ألف قطعة أثرية دمارًا يتجاوز الحاضر، فهو خسارة تمتد إلى الذاكرة التاريخية الجماعية للفلسطينيين، والرواية الثقافية والحضارية لفلسطين، وهوية غزة التي شكلت نقطة تواصل بين حضارات العالم القديم، والأبحاث العلمية التي كانت ستستند إلى هذه اللقى الفريدة.

ويخشى علماء آثار أن تتعرض هذه القطع لإعادة التصنيف أو الإخفاء أو الدمج داخل روايات "التراث الإسرائيلي"، كما حدث سابقًا في مواقع أخرى بالضفة الغربية.

 

واجهة غزة للعالم 

يُعد متحف قصر الباشا أحد أهم المعالم الأثرية في قطاع غزة، ويستند إلى تاريخ معماري وثقافي يمتد لقرون طويلة. 

شُيّد المبنى في الأصل خلال العهد المملوكي في القرن الرابع عشر، ثم شهد توسعات وتعديلات في العهد العثماني، ما جعله نموذجًا معماريًا يعكس طبقات متعاقبة من التاريخ.

وعلى مدار السنوات، تحوّل القصر من مقر للحكم والإدارة إلى متحف وطني يحتضن آلاف القطع الأثرية التي تروي قصة غزة منذ العصور الأولى. 

كان المتحف يضم مجموعات أثرية تمتد جذورها إلى الحضارة الكنعانية والآرامية واليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، بما في ذلك أدوات فخارية، قطع نقدية نادرة، مجوهرات، أسلحة قديمة، مخطوطات، أختام، وحُليّ تعود لمراحل مختلفة من تاريخ المدينة. وقد وفّر هذا التنوع مادة بحثية غنية للباحثين والطلاب والمؤرخين، وأسهم في إبراز الدور الحضاري لغزة كممرٍ تجاري وثقافي بين القارات.

كما لعب قصر الباشا دورًا مركزيًا في الجهود المحلية لحماية التراث، إذ كان مركزًا للتوثيق والترميم، ومكانًا تُعرض فيه مقتنيات لا مثيل لها على مستوى فلسطين. 

واعتُبر المتحف واجهة أساسية للتعريف بتاريخ غزة للسياح والزوار والوفود الأجنبية قبل الحصار، ومعلماً ينقل للجيل الجديد ذاكرة مدينة قاومت الاحتلالات المتعاقبة عبر قرون.

وقد ظل المتحف، رغم محدودية الموارد والحصار، شاهدًا صامدًا على الهوية الفلسطينية ومرجعًا بصريًا ملموسًا لسردية التاريخ المحلي، إلى أن دمّرته الحرب الأخيرة وسُرقت محتوياته على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، في خسارة تُعد الأكبر منذ تأسيسه.

خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، كان متحف قصر الباشا أحد المواقع التي طاولها الدمار المباشر، في ضربة اعتبرها العاملون في مجال الآثار استهدافًا متعمّدًا لمعالم التراث الثقافي الفلسطيني. 

فقد تعرّض المبنى التاريخي لقصف كثيف أدى إلى انهيار أجزاء واسعة منه، بما في ذلك المخازن الداخلية التي كانت تضم الآلاف من القطع الأثرية المصنّفة والمسجّلة رسميًا.

 

أهم المعالم 

الكاتب والمؤرخ الفلسطيني عبدالله عليان، قال إن الاحتلال استهدف في غاراته حمام السمرة الذي يعد من أقدم حمامات غزة الأثرية، والذي يعود تاريخ بنائه لنهاية العهد المملوكي وبداية العهد العثماني حيث كانت ملكيته لأويس باشا والى دمشق في حينه ثم إلى ابنته، ومن ثم إلى طائفة سامرية وأطلق لقب حمام السمرة نسبًا لهم. 

وأضاف المؤرخ الفلسطيني في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن الحمام يعد جزء رئيسي من البلدة القديمة، ويقع بجواره مقام الامام الشافعي والمسجد العمري الكبير، حيث يرتاده الناس للاستجمام ولغرض العلاج الطبيعي، وللأسف الآن أصبح في خبر كان. 

وأوضح عليان إلى أن المسجد العمري الكبير الذي يُعد أحد أقدم وأكبر مساجد فلسطين التاريخية، التي كان عبارة عن معبد وثني ثم تحول لكنيسة ثم لمسجد في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، ثم أعاد الصليبيين احتلال غزة فترة من الزمن ثم حررها صلاح الدين الأيوبي وبعد ذلك المماليك، وبقي المسجد صحيح البناء حتى الحرب العالمية الأولى حيث دمر البريطانيين جزء كبير من المسجد خاصة المئذنة والقباب والسقف. 

وأشار إلى أنه بعد ذلك قام المجلس الإسلامي الأعلى بترميم المسجد عام 1926م، ثم قام الاحتلال بتدمير معظم المسجد الذي يعتبر من أكبر مساجد فلسطين مساحة والتي تقدر بـ1400 متر مربع، والتي يتوسط صحن المسجد عبارة عن بقايا الكنيسة القديمة وباقي البناء بنيت في عدة عهود إسلامية خاصة العهدين المملوكي والعثماني. 

ولفت المؤرخ عليان أن معظم المباني والأماكن الأثرية في قطاع غزة دمرها الاحتلال بشكل ممنهج ومدروس. 

 

ونرصد في هذا التقرير أبرز الأماكن الأثرية في قطاع غزة التي تعرضت للتدمير خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل: 

المسجد العمري الكبير: وهو أحد أهم المساجد وأقدمها في فلسطين، وأول مساجد قطاع غزة وأكبرها وأعرقها، ويقع في حي الدرج، وله تاريخ كبير، يعود إلى أكثر من 3 آلاف سنة، وهو ملاصق لسوق القيسارية التاريخي، وهو ضخم البناء والقيمة الأثرية وجميل الشكل والهندسة، تقام فيه الصلوات ويدرس فيه المدرسون، وبجانبه مكتبة عامرة منذ القدم.

مسجد السيد هاشم: هو من أهم المساجد في مدينة غزة بالبلدة القديمة، حيث يوجد به قبر جد الرسول، صلى الله عليه وسلم، هاشم بن عبد مناف، الذي ارتبط اسمه باسم المدينة.

كنيسة القديس برفيريو التي يُطلق عليها أيضا اسم "كنيسة المقبرة"، حيث تحيط بها مقبرة مسيحية، وهي من أقدم الكنائس في العالم، وتُعرف محليا باسم "كنيسة الروم الأرثوذكس"، ويعود تاريخ بناء الكنيسة التي تقع في حي الزيتون بغزة، إلى عام 425 للميلاد، قبل أن يتم تجديدها عام 1856. 

حمام السمرة: يقع في حي الزيتون قلب مدينة غزة التاريخية، وهو الوحيد المتبقي من الحمامات التاريخية في قطاع غزة، الذي يعد مزاراً طبياً وسياحياً؛ إذ تتميز أرضيته بدفئها على مدار اليوم وقد استخدم في بنائها الحجر الرخامي؛ لمقاومته رطوبة الماء. 

ويتميز الحمام بروعة التخطيط والبناء العمراني الذي يتجسد بتدرج درجات الحرارة عند الانتقال من غرفة لأخرى؛ إذ تبدأ بالغرفة الباردة فالدافئة ثم الساخنة. 

مسجد الظفر الدمري: الذي يعتبر أحد الأماكن الأثرية في حي الشجاعية، التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل، ودار السقا الأثرية التي بناه أحمد السقا في القرن السابع عشر للميلاد في عام 1661 في عهد السلطان محمد الرابع بن السلطان إبراهيم، ويُعتبر أول منتدى اقتصادي في فلسطين، وجرى تدميره أول مرة بقذيفة تعرض لها خلال حرب عام 1948.

الكنيسة البيزنطية: التي تعود إلى العهد البيزنطي، وتقع في بلدة جباليا، شمال قطاع غزة، تعرضت للدمار الكامل، وتعد من أهم المواقع الأثرية في قطاع غزة، ومن أبرز المعالم في بلاد الشام عامة، ويزيد عمرها على 1600 عام، إذ تعود إلى عام 444 للميلاد.

مقام الخضر: في مدينة دير البلح، تعرض لقصف جزئي، وهو أول دير مسيحي يُبنى في فلسطين، وذلك على يد القديس هيلاريوس، خلال الحقبة البيزنطية، الذي أقام فيه حتى مماته، وهو أقدم دير لا يزال قائماً في فلسطين. 

المدرسة الكاميلية: هي المدرسة التاريخية الوحيدة المتبقية في غزة، وتقع في قلب البلدة القديمة في غزة. وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك الأيوبي الكامل الذي بناها سنة 653هـ (1237م). واستخدمت المدرسة منذ إنشائها لإيواء الفقراء والطلاب والتجار وظلت نشطة حتى عام 1930. 

دار السقا الأثرية: تقع الدار التي تعرّضت لأضرار جزئية، في حي الشجاعية بوسط السوق في الضاحية الشرقية لمدينة غزة، وبُني منذ القرن السابع عشر ميلادي في عام 1661م في عهد السلطان محمد الرابع بن السُلطان إبراهيم. 

وبناه أحمد السقا أحد كبار التجار آنذاك والذي تعود أصل عائلته إلى الجزيرة العربية من مكة المكرمة لتصل إلى عقيل بن أبي طالب ابن عم النبي - عليه الصلاة والسلام. 

متحف رفح جنوب قطاع غزة: كان مقصدا لدارسي تاريخ قطاع غزة وتراثها الطويلين.

مقبرة دير البلح: تُعدّ المقبرة التي تعرّضت للدمار الكلي، من أهم المقابر التاريخية والأثرية في غزة، حيث تعكس تاريخ الشعب الفلسطيني على مدى عصور عدة، وأجريت الكثير من التنقيبات الأثرية وكشفت عن أهم مقبرة يعود تاريخها إلى العصر البرونزي المتأخر (1550 - 1200 قبل الميلاد). وتنسب هذه المقبرة إلى ما يسمى "ملوك الفلسطينيين" وتتكون من مجموعة بارزة من التوابيت الفخارية ذات الشكل البشري. 

تل العجول: الموقع الكنعاني الأبرز جنوب غزة، والذي اكتُشف فيه أقدم نظام اقتصادي وتجاري في المنطقة، جرى تجريفه كليًا خلال عمليات التوغل.

مدينة أنثيدون الرومانية: وهي مدينة ساحلية تمتد جذورها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، اختفت معالمها تحت ركام القصف الساحلي الإسرائيلي.

ميناء غزة القديم: وُصف بأنه "أحد أقدم الموانئ العاملة في العالم"، وقد تعرض لدمار تام بفعل القصف البحري والجوي المتكرر.

ومواقع أخرى طالها القصف الإسرائيلي ودمرت جزئياً أيضاً، منها تل المنطار وسط غزة، وتل السكن في الزهراء، وسوق مازن شرق خان يونس. 

كذلك، استهدف جيش الاحتلال مقبرة الإنجليز في مدينة غزة، ودير القديس هلاريون في النصيرات، ومتحف دير البلح، ومقام النبي يوسف في بني سهيلا، بحسب منظمة "تراث من أجل السلام"، والتي رصدت أيضا إصابة أكثر من 70 بيتاً أثرياً بأضرار جزئية.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة