"سرطان المعازل".. الاحتلال يعيد إنتاج مشروعه القديم في الضفة بـ"منظومة متكاملة" لعزل الفلسطينيين

على مدار العقود الستة الماضية، نفذت إسرائيل سلسلة من السياسات الاستيطانية والأمنية التي أعادت تشكيل الجغرافيا الفلسطينية في الضفة الغربية، محوّلة الأرض تدريجيًا إلى شبكة من المعازل والجزر المعزولة. لم يقتصر الهدف على السيطرة على الأراضي، بل امتد إلى تقسيم التجمعات السكانية وفرض قيود صارمة على الحركة، بما يعيق أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة.

وتعتمد هذه السياسات على مزيج متكامل من المستوطنات، البؤر الرعوية، وجدار الفصل العنصري، وشبكات الطرق الالتفافية، إلى جانب حواجز عسكرية ثابتة ومتحركة، شكلت معًا بنية معقدة تحاصر الفلسطينيين داخل أراضيهم.

كنتونات ومعازل

من جانبه يقول المختص بشؤون الاستيطان صلاح الخواجا  فى تصريح سابق : "تفعيل المعازل أصبح مشروعًا إسرائيليًا واضحًا في الضفة، بالرغم من أن جذوره تعود لعام 1967. فكرة المعازل بدأت حينما شرع الاحتلال بوضع خطة لشطب حلم الشعب الفلسطيني في الدولة الفلسطينية، وتحويل كل مناطق الضفة إلى كنتونات ومعازل، حسب مشروع أيالون، الذي أعلن عنه في الشهر الأول من احتلال الـ67".

ويضيف الخواجا أن معازل مشروع "أيالون" في ذلك العام كانت تهدف لتقسيم الأراضي الفلسطينية في الضفة إلى سبعة كنتونات، وبدأت بعزل قطاع غزة عن الضفة، والسيطرة على القدس والأغوار، وتحويل ما تبقى إلى كنتونات ومعازل، معزولة عن بعضها البعض.

ويستشهد بأول عملية تهجير قسري لحي المغاربة بالقدس في الشهر الأول من احتلال 1967، وأول عمليات التهويد للمسجد الأقصى، معتبراً أن هذه الخطوات شكلت "برنامجًا لاحتلال واستيطان ما تبقى من فلسطين التاريخية، وكان الهدف من استمرار عملية التهجير القسري قتل حلم الشعب الفلسطيني في الدولة".

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بدأت أبرز هذه المشاريع مع بناء جدار الفصل العنصري عام 2002، ليس على حدود عام 1967 المعترف بها دوليًا، بل داخل أراضي الضفة نفسها، ما أدى إلى عزل نحو 10% من أراضيها وتشريد آلاف السكان عن أراضيهم الزراعية ومنازلهم، وخلق أكثر من 200 تجمع فلسطيني محاصر خلف الجدار. ويشير الخواجا إلى أن الاحتلال ابتدع أيضًا فكرة البؤر الرعوية الاستيطانية، حيث أُنشئت 114 بؤرة في السنوات الثلاث الأخيرة فقط، وتسيطر إسرائيل حتى نهاية 2024 على نحو 14% من أراضي الضفة خالية من أي وجود فلسطيني.

عزل الفلسطينين

لم تقتصر تبعات الجدار على الحرمان من الأرض فحسب، بل انعكست على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، وأعاقت التنمية الاقتصادية، حيث اضطر المزارعون إلى التنقل لمسافات أطول للوصول إلى أراضيهم، وواجهوا صعوبة في نقل منتجاتهم للأسواق المحلية.

كما صممت إسرائيل شبكة من الطرق الالتفافية التي تخدم المستوطنات وتمنع الفلسطينيين من استخدام المسارات المباشرة بين مدنهم وقرىهم، ما يزيد من طول الرحلات اليومية ويعقد الحركة التجارية والزراعية، ويؤدي إلى عزلة التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض.

و تنوه الهيئة انه مع نشر نحو 914 حاجزًا عسكريًا ثابتًا ومتحركًا في أنحاء الضفة، أصبح التنقل بين المدن والقرى مقيدًا بشكل صارم، وفرضت الحواجز قيودًا على الوصول إلى الوظائف والمدارس والمستشفيات، ما زاد من التوتر الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

ويؤكد الخواجا أن كل هذه الإجراءات تشكل "منظومة متكاملة للاحتلال، لحبس الفلسطينيين، واستكمال مشروع تحويل الضفة لمعازل أو ما يشبه دويلات، حسب تخطيط دائرة جيش الاحتلال، لتصبح الضفة مقسمة إلى 176 كنتون ومعزل".

كما ساهمت هذه السياسات في خلق معازل رئيسية لها خصائص استراتيجية محددة، لكل منها تأثير مباشر على حياة الفلسطينيين. المعزل الجغرافي يشمل الجدار وشبكات الطرق الالتفافية، ويجعل حركة السكان محدودة، مع عزل آلاف الدونمات الزراعية والمناطق المأهولة.

في حين يمثل المعزل الشرقي ثلث مساحة الضفة بما فيها الأغوار، حيث تعمل إسرائيل على فرض السيطرة الكاملة من خلال مصادرة الأراضي والمراعي، وتوسيع التواجد العسكري والمستوطنات الكبرى، ما يحرم الفلسطينيين من أي توسع مستقبلي.

وبحسب معهد الأبحاث التطبيقية (أريح)، وحدة مراقبة الاستيطان ، يمتد المعزل من نابلس إلى جنين وطولكرم، ويهدف إلى فصل الشمال عن الوسط والجنوب عبر مصادرة أراضٍ واسعة وإحاطتها بطوق استيطاني، ما يقلل من إمكانات التواصل بين المناطق ويحدّ من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أما معزل القدس (E1)، فيعد من أخطر المشاريع، إذ يمتد من القدس إلى البحر الميت، ويفصل شمال الضفة عن جنوبها، ما يحد من أي ربط فلسطيني بالمدينة ويعزز الاستيطان الإسرائيلي في محيطها.

شبه مستحيلة.

وفي الجنوب، تركز إسرائيل على بيت لحم والخليل، حيث يعزل معزل جنوب بيت لحم (E2) المدينة عن جنوب الضفة، ومعزل جنوب الخليل (E3) يكرس نفس الاستراتيجية، من خلال تعزيز وجود المستوطنات وحصر الفلسطينيين في مناطق محدودة، ما يجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية شبه مستحيلة.

تجسد هذه المعازل نموذجًا معقدًا من التحكم الجغرافي، بحيث تصبح الأراضي الفلسطينية محاصرة ومعزولة، والقدرة على إقامة دولة متصلة جغرافيًا محدودة للغاية. ويظهر الواقع الميداني أن أكثر من 23 تجمعًا فلسطينيًا محاصر بالكامل، بعضها مغلق نهائيًا ببوابات وجدران عسكرية، وبعضها ممنوع من التطور العمراني، ما يعكس بوضوح استراتيجية إسرائيل في تقسيم الضفة إلى جزر سكانية منفصلة.

ويواجه الفلسطينيون صعوبة في الوصول إلى وظائفهم ومدارس أبنائهم، ويضطرون إلى التنقل عبر طرق أطول وأكثر خطرًا، كما يعاني المزارعون من فقدان أراضٍ حيوية ويصبحون رهينة للوصول إلى مصادر المياه.

من منظور قانوني ودولي، تؤكد عدة تقارير أن هذه السياسات تمثل انتهاكات صريحة لقوانين الاحتلال واتفاقيات جنيف، وأن القرارات الأممية المتعددة لم تؤدِ إلى مساءلة فعالة أو حماية حقيقية للسكان الفلسطينيين، ما يجعل الضفة الغربية أرضًا مقسمة ومحاصرة، ويزيد من صعوبة تحقيق حل سياسي قائم على أساس دولتين.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة