تقرير غزة تودّع عطا الله أبو السبح.. معلّم وسياسي وضمير قضية حيّة

عطا الله أبو السبح

تقرير / شهاب 

عانقت اليوم روح الدكتور عطا الله أبو السبح سماء غزة مودعةً إلى بارئها، رجلًا عاش مع شعبه منذ ولادته، تقاسم آلام النازحين ومعاناتهم بين خيامهم، ووقف إلى جانب أهله وأحبته في أصعب الظروف.

وُلد أبو السبح في عام 1948، العام الذي شهد نكبة فلسطين، وحملت حياته امتدادًا لنزوح دائم وتجارب الفقد والتحدي، هاجر من قرية السوافير الشرقية إلى رفح، وقضى حياته لاجئًا مطالبًا بالعودة إلى دياره، بين قاعات التعليم إلى مواقع المسؤولية الحكومية، سجل اسمه تجربة فلسطينية متواصلة في النضال، عمرها يوازي عمره تقريبًا.

قضية لا وظيفة

برحيل عطا الله أبو السبح عن عمر ناهز 78 عامًا، تفقد الساحة الفلسطينية شخصية ناضلت بين العلم والسياسة والعمل الإنساني، وارتبط اسمها طويلًا بملف الأسرى بوصفه قضية لا وظيفة، شغل منصب عضو المكتب السياسي لحركة حماس ووزير الأسرى والمحررين السابق، بعد مسيرة امتدت لعقود تنقّل خلالها بين مهنة التعليم والعمل الأكاديمي، ثم المسؤولية الحكومية في واحدة من أكثر المراحل الفلسطينية تعقيدًا.

لم يأتِ حضوره العام من موقع سياسي بحت، بل تشكّل تدريجيًا من مدارس الأونروا برفح والجامعة الإسلامية في غزة، قبل أن يتقدّم إلى واجهة العمل العام والحكومي، ومع توليه وزارة الثقافة ثم وزارة الأسرى والمحررين، بات اسمه حاضرًا في واحد من أكثر الملفات حساسية وإنسانية، حيث تعامل مع قضية الأسرى باعتبارها جوهر الصراع ومعاناة مستمرة، لا بندًا إداريًا أو موقعًا عابرًا.

بدأ أبو السبح مسيرته المهنية في قطاع التعليم، معلمًا في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بمحافظة رفح بعد تخرجه من مركز تدريب المعلمين في رام الله عام 1969 في تخصص العلوم والرياضيات، في مرحلة شكّل فيها التعليم أحد المسارات القليلة المتاحة أمام الفلسطينيين المهجرين بعد الاستيلاء على أرضهم، ولم تكن مهنة التعليم بالنسبة له مجرد وظيفة، بل مدخلًا مبكرًا للتفاعل مع قضايا المجتمع وهمومه اليومية ومعاناة التهجير والنزوح والمخيمات، خاصة في بيئة تعاني من الفقر واللجوء والاحتلال.

ومع تقدّمه الأكاديمي حيث درس في الجامعة الإسلامية في غزة وتخصص في الشريعة بتقدير امتياز، ثم حصل على درجة ماجستير في "فقه التشريع / سياسة شرعية" من جامعة النجاح الوطنية، ودرجة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان بتقدير امتياز.

فترة سياسية معقّدة

انتقل أبو السبح إلى العمل في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث شغل مواقع أكاديمية وإدارية، من بينها عميد شؤون الطلبة، ما أتاح له الاحتكاك المباشر بجيل واسع من الشباب الفلسطيني، مما بلور ملامح شخصيته العامة، التي جمعت بين الخطاب التربوي والاهتمام بالشأن العام، وأسّست لانتقاله لاحقًا إلى العمل الحكومي والسياسي، محمّلًا بخلفية تعليمية تركت أثرها الواضح على قيادة الملفات العامة.

خلال عمله الأكاديمي في عمادة شؤون الطلبة، تمكن من الاقتراب عن كثب من أهم مراحل العمل النضالي، حيث شهد مباشرة الصراع المستمر مع الاحتلال ومحاولاته المتكررة لمحو التعليم وعرقلة مسيرة الطلبة الأكاديميين.

 لقد أتاح له هذا العمل فرصة فهم التحديات الحقيقية التي يواجهها الطلبة والمؤسسات التعليمية، سواء على مستوى الممارسات اليومية أو في مواجهة السياسات التي تستهدف محاربة التعليم وتمييع دوره الوطني والاجتماعي. كما ساهم وجوده في العمادة في تعزيز صلته بالطلبة ومتابعة قضاياهم عن قرب، ما أضاف بعدًا عمليًا مهمًا لتجربته الأكاديمية والنضالية.

مع تصاعد حضوره العام واتساع دوره خارج الإطار الأكاديمي، انتقل أبو السبح إلى العمل الحكومي في فترة سياسية معقّدة، اتسم بالحصار والانقسام السياسي وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على العمل الطبيعي، وجاء هذا الانتقال بوصفه امتدادًا لمساره التربوي والاجتماعي، لا قطيعة معه، إذ حمل إلى موقعه الوزاري خلفية أكاديمية انعكست على لغته الإدارية وتعاطيه مع القضايا العامة.

تولّى أبو السبح مهام وزارية ضمن الحكومة العاشرة، في مرحلة كانت فيها الحكومة مطالبة بإدارة ملفات شديدة الحساسية بموارد محدودة وضغوط داخلية وخارجية متواصلة.

تحديات مركّبة

برز اسمه ضمن الطاقم الحكومي الذي واجه تحديات مركّبة، حيث لم تكن المسؤولية محصورة في الإدارة اليومية، بل في محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الحضور المؤسسي والخدمة العامة في ظل واقع سياسي وأمني استثنائي.

شكّلت مرحلة تولّي عطا الله أبو السبح وزارة الأسرى والمحررين في مارس 2011 م المحطة الأبرز في مسيرته العامة، ليس فقط بحكم حساسية المنصب، بل لطبيعة الملف الذي ارتبط به اسمه لاحقًا بوصفه أحد أكثر القضايا الفلسطينية تعقيدًا وإنسانية.

فقد جاء تسلّمه لهذا المنصب في ظل حصار خانق وانقسام سياسي، وفي وقت كانت فيه قضية الأسرى تتعرض لمحاولات تهميش سياسية وإعلامية متزايدة.

تعامل أبو السبح مع ملف الأسرى باعتباره قضية مركزية تمسّ آلاف العائلات الفلسطينية، لا مجرد ملف إداري أو عنوان وزاري.

وانعكس ذلك في حضوره الدائم في الفعاليات المرتبطة بالأسرى، ومتابعته لشؤون الأسرى المحررين، الذين عانقوا الحرية خلال حقبته الوزارية، وما تلا ذلك من محاولاته إبقاء قضيتهم حاضرة في الخطاب العام، رغم محدودية الإمكانيات والقيود المفروضة على عمل الوزارة في قطاع غزة.

وخلال هذه المرحلة، واجهت وزارة الأسرى تحديات مركّبة، أبرزها غياب الاعتراف الدولي بالحكومة، وشح الموارد المالية، وصعوبة التواصل مع المؤسسات الحقوقية الخارجية، ومع ذلك، سعى أبو السبح إلى الحفاظ على الدور المعنوي للوزارة، عبر التأكيد المستمر على البعد الإنساني للأسرى، وربط معاناتهم بالسياق الأوسع للاحتلال، وليس باعتبارها حالات فردية معزولة.

منحاز لقضايا النساء


ولم يقتصر حضوره في هذا الملف على الإطار الرسمي، بل امتد إلى العلاقة المباشرة مع عائلات الأسرى والمحررين، في محاولة لتخفيف العبء النفسي والاجتماعي عنهم، خاصة المبعدين إلى غزة، ضمن ما تسمح به الظروف السياسية والأمنية القائمة.

إلى جانب حضوره الأكاديمي والوزاري، كان لعطا الله أبو السبح نشاط واضح في الكتابة والتعبير الفكري، شكّل امتدادًا طبيعيًا لمساره التربوي واهتمامه بالشأن العام، كتب في عدد من الصحف والمجلات المحلية، وتناول في مقالاته قضايا اجتماعية وثقافية ودينية، عاكسًا رؤية تربط الفكر بالواقع اليومي للناس.

لم تكن الكتابة لديه فعلًا منفصلًا عن تجربته العامة، إنما وسيلة أخرى للتفاعل مع المجتمع، وتقديم قراءة أخلاقية وإنسانية لما يعيشه أهل غزة في ظل الاحتلال والانقسام، كما عُرف باهتمامه بالأدب والشعر، وله أعمال ودواوين منشورة وقيد النشر، بحسب عائلته، ما أضفى على حضوره العام بعدًا ثقافيًا تجاوز حدود العمل السياسي والإداري.

مثّلت كتاباته مساحة للتأمل والنقد الهادئ، وساهمت في ترسيخ صورته كشخصية تجمع بين المسؤولية العامة والاهتمام بالكلمة بوصفها أداة وعي وتأثير، لا مجرد ترف ثقافي.

 خصّص أبو السبح زاويته الثابتة في مجلة السعادة الاجتماعية للحديث عن واقع المرأة في قطاع غزة، متناولًا قضاياها الاجتماعية والتربوية من منظور عملي تشكّل عبر سنوات طويلة من العمل المجتمعي.

ولم تأتِ مقاربته لقضايا النساء بوصفها طرحًا نظريًا أو خطابًا عامًا، بل استندت إلى تجربة ميدانية راكمها خلال عمله كرجل إصلاح بين العائلات في محافظة رفح، حيث اطّلع عن قرب على تعقيدات الحياة الأسرية، وأدوار النساء في مواجهة الفقر والضغط الاجتماعي وتداعيات الاحتلال.

وعكست مقالاته في هذا السياق اهتمامًا خاصًا بالدور التربوي العميق للمرأة داخل الأسرة والمجتمع، مع إبراز ما تتحمله من أعباء غير مرئية في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها قطاع غزة.

وأسهم هذا الاحتكاك المباشر في إثراء تجربته الإنسانية، وصياغة رؤية منحازة لقضايا النساء بوصفهن شريكات أساسيات في الصمود الاجتماعي، لا مجرد متلقيات للخطاب الوعظي أو الإرشادي.

لم يقتصر دور الدكتور عطا الله أبو السبح على العمل الأكاديمي والسياسي، إنما امتد إلى خدمة المجتمع مباشرة، خصوصًا في مجال الإغاثة والإصلاح الأسري.

عمل على تقريب وجهات النظر بين العائلات في محافظة رفح، مستفيدًا من خبرته كمعلم ورجل إصلاح، ووسيطًا في تسوية خلافات قد تتصاعد إلى أزمات اجتماعية كبيرة، مما أكسبه احترامًا واسعًا في المجتمع المحلي، تحديدًا في محافظة رفح، وجعل حضوره مرتبطًا بالحلول العملية والنهج الواقعي.

شكّل تجربة أبو السبح امتدادًا طبيعيًا لمساره الفكري والأدبي والدعوي والتنظيمي، حيث جمع بين المسؤولية الرسمية والالتزام المباشر تجاه قضايا الناس، تاركًا أثرًا ملموسًا في المجتمع الفلسطيني ومرآة لتجربة حياة امتدت من اللجوء إلى النزوح، ثم إلى باطن الأرض تمجّد أبنائها الشرفاء.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة