تقرير _ شهاب
تتواصل انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في قطاع غزة، في مشهد يكشف التناقض الصارخ بين الواقع الدموي على الأرض، والدعاية "الإنسانية" التي يروّج لها جيش الاحتلال عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لتبييض جرائمه أمام الرأي العام العالمي.
ظهر أمس، استهدفت طائرة استطلاع إسرائيلية طفلين فلسطينيين كانا يجمعان الحطب قرب مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، في منطقة تبعد قرابة 150 مترًا عن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي منطقة بعيدة عن أي مواقع اشتباك أو تهديد.
وأسفر القصف عن استشهاد الطفلين محمد يوسف الزوارعة وسلمان زكريا الزوارعة، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل استهداف الأطفال والمدنيين.
اللحظة الأقسى كانت لحظة وداع والد الطفل محمد الزوارعة لابنه الوحيد. ظهر الأب منهارًا، يحتضن جسد طفله الصغير الممدّد بين يديه، رافضًا تصديق ما جرى، وهو يخاطبه بكلمات خرجت من قلب محطم لا يزال يبحث عن أمل مستحيل.
كان يهزّه برفق، كأنه يحاول إيقاظه من نومٍ عميق، مرددًا بصوت مبحوح: "قوم يا محمد، قوم يابا، بدي أجيبلك صندل وبوت جديد، سايق عليك الله تقوم، بحياة ربك تقوم".
لم يتوقف الأب عن مناجاة طفله، وكأنه يفاوض الموت نفسه، قائلاً بحرقة: "ليش متت يا بابا؟ ليش رحت تجيب حطب؟ سقعة؟ نام عندي في الدار… نام جنبّي".
وفي ذروة الصدمة، التفت إلى من حوله مستغيثًا، وصوته يختلط بالبكاء والانهيار: "نادي الدكتور، يصحيه.. هذا ابني الوحيد، ما بدي ابني يموت!".
كان واضحًا أن الرجل يعيش حالة هذيان من شدة الصدمة، غير قادر على استيعاب أن طفله الذي خرج ليحتمي من البرد، عاد إليه جثمانًا صامتًا بفعل صاروخ أطلقته طائرة استطلاع.
"نشوة أدرعي"
وفي مشهد لا يقل صدمة عن الجريمة نفسها، ظهر المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي في مقطع فيديو متداول، بدا فيه في حالة نشوة واضحة وهو يروّج لما وصفه بـ“الرحمة” و“الإنسانية” داخل الجيش الإسرائيلي، مستعرضًا مشهدًا لجنود يقدمون الماء لطفلين قرب ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”.
تحدّث أدرعي بلغة احتفالية، محاولًا تسويق الجيش كحارس للأخلاق في خضم الحرب، ومتغاضيًا عمدًا عن حقيقة أن طفلين فلسطينيين قُتلا قبل ساعات فقط بصاروخ أطلقته طائرة استطلاع في المنطقة ذاتها.
هذا الظهور الدعائي، الذي تعمّد تجاهل جريمة قتل الطفلين محمد وسلمان الزوارعة، لم يكن سوى محاولة مكشوفة لغسل الجريمة بالماء أمام الكاميرا، وصناعة صورة إنسانية زائفة تتناقض كليًا مع الواقع الميداني، حيث يُستهدف الأطفال بدم بارد لمجرد اقترابهم من خط وهمي لا يعرفون موقعه ولا دلالاته.
وبينما كان أدرعي يتحدث عن “القلب النابض بالإنسانية”، كانت عائلة فلسطينية تودّع طفلها الوحيد، في تناقض يلخّص جوهر الرواية الإسرائيلية القائمة على التضليل وتبييض الانتهاكات.
"مصيدة للموت"
من جانبه، أكد الخبير والمستشار القانوني د. أسامة سعد أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” كمصيدة موت للمدنيين في قطاع غزة، عبر استهداف كل من يقترب منه أو يُتَّهم بتجاوزه، رغم علمه المسبق بأن الضحايا مدنيون لا يدركون أصلًا وجود هذا الخط أو موقعه.
وأوضح د. سعد أن هذا السلوك يشكّل خرقًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبدأي التمييز والتناسب، حيث لا يميّز الاحتلال بين المدنيين وغيرهم، ولا يلتزم بأي قيود على استخدام القوة، “إن جاز استخدام القوة أصلًا”.
وأضاف أن الاحتلال دأب منذ بدء اتفاق الهدنة على خرق بنوده بشكل مستمر، في مؤشر واضح على سوء النية، ورغبته في الالتفاف على التزاماته ومنع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
ودعا د. سعد الضامنين والوسطاء الدوليين إلى اتخاذ خطوات حازمة لوقف هذه الانتهاكات، بما في ذلك تشكيل قوة حماية دولية عاجلة للشعب الفلسطيني، مطالبًا المؤسسات الحقوقية الإقليمية والدولية بتحمّل مسؤولياتها عبر توثيق هذه الجرائم ورفعها إلى محكمة الجنايات الدولية، لتعزيز ملفات الانتهاكات المنظورة أمامها، تمهيدًا لمحاسبة قادة الاحتلال المسؤولين عن هذه الجرائم.
ويمتد هذا الخط الوهمي من شمال قطاع غزة حتى أطراف رفح دون أي توضيحات ميدانية، فيما تتموضع قوات الاحتلال شرقَه وتتعامل مع أي حركة قريبة منه بوصفها هدفًا، الأمر الذي يحوّل المنطقة إلى مساحة مفتوحة للخطر ويجعل من المدنيين ضحايا متكررين لإطلاق النار دون إنذار أو مبرر حقيقي.
وتسجّل وزارة الصحة في غزة، بشكل شبه يومي، سقوط شهداء فلسطينيين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي بدعوى "تجاوز الخط الأصفر".
ويدّعي جيش الاحتلال أن المنطقة الواقعة غرب هذا الخط "آمنة"، إلا أنه لم يحدّد للفلسطينيين موقعه بدقة أو يضع أي علامات كافية تُظهر حدوده.
