بدت فكرة زراعة الفراولة في سلطنة عُمان أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، كثيرون استنكروا الفكرة وشككوا في إمكانية نجاحها، فالفراولة محصول حساس يحتاج إلى ظروف مناخية دقيقة فبيئة غزة الساحلية التي اشتهرت بزراعتها تختلف تمامًا عن المناخ الحار في الخليج.
خارج الجغرافيا
لكن فارس الغول، الفلسطيني النازح قسرا من شمال قطاع غزة بسبب الإبادة الجماعية، لم يرَ في الفكرة مغامرة غير محسوبة، بل استمرارًا لتجربة عاشها لسنوات في أرضه شمال غزة.
اليوم يعانق "الذهب الأحمر" الغزاوي سماء ولاية بركاء العُمانية، في مشهد يختصر علاقة الفلسطيني بأرضه أينما حلّ، كعنقاءٍ تولد من جديد خارج الجغرافيا، حاملة معها معنى التحدي والصمود والانتماء.
يقول فارس الغول لـ"شهاب ":" إن زراعة الفراولة شكّلت لعقود مضت مصدر دخل رئيسيًا لمئات العائلات في شمال قطاع غزة، ومحصولا ذهبيا يفتخر أهل غزة بتصديره لكل دول العالم.
مشيرًا إلى أنها كانت تُزرع على مساحات واسعة، ضمن نمط زراعي مخصص للتصدير، يعتمد على مواسم دقيقة، وإدارة صارمة للري ودرجات الحرارة.
ويضيف الغول الحرب الأخيرة غيّرت هذا المشهد بالكامل، مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية أُدرجت ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، وهي مناطق مُنع المزارعون من الوصول إليها، ما أدى عمليًا إلى توقف الزراعة.
جوهر التجربة "غزاوية"
ويتابع بحسب ما نراه ونسمعه من المزارعين في الميدان، فإن معظم أراضي الفراولة في بيت لاهيا وبيت حانون أصبحت إما مدمرة أو محظورة، وهذا تسبب في خسارة مواسم متتالية، وانقطاع أحد أبرز المنتجات الزراعية الغزاوية عن الأسواق العالمية.

عن تجربته الشخصية، يقول الغول:" أنا كفلسطيني راكمت خبرة طويلة في زراعة الفراولة في أراضي العائلة داخل غزة، وفكرت في نقل خبرتي إلى خارج فلسطين، دون أن أتخلى عن جوهر التجربة الغزاوية نفسها".
ويؤكد أن مشروعه لم يكن مجرد استثمار زراعي جديد، مضيفًا ما حاولت القيام به هو نقل نموذج زراعي كامل، يشمل طريقة إعداد التربة، وأساليب الري، وإدارة الشتلات، ومراقبة الإنتاج.
وحول صعوبة التجربة، يوضح الغول الفراولة من أكثر المحاصيل حساسية من حيث الظروف المناخية، هي تحتاج إلى درجات حرارة معتدلة، ورطوبة محسوبة، ونظام ري دقيق، هذه الشروط كانت متوفرة طبيعيًا في البيئة الساحلية لغزة، لكنها تشكل تحديًا حقيقيًا في مناطق ذات مناخ حار مثل سلطنة عُمان".
ويضيف: اخترت ولاية بركاء لإطلاق المشروع، واعتمدت بشكل أساسي على تجاربي السابقة، محاولًا تكييف النموذج الغزاوي مع واقع مناخي مختلف، دون اللجوء إلى تقنيات صناعية مكلفة أو حلول غير مستدامة".
امتداد رمزي لغزة
ويوكد الغول في حديثه أن مختصون في المجال الزراعي يؤكدون أن نجاح زراعة الفراولة في بيئة حارة يُعد إنجازًا فنيًا، خاصة عندما يعتمد على الخبرة البشرية المباشرة، لا على بيوت زراعية عالية الكلفة أو حلول صناعية معقدة".
مع افتتاح مزرعة الفراولة في بركاء، لم يعد المشروع مجرد تجربة فردية، بل تحوّل إلى نموذج يُظهر قدرة المزارع الغزّي على التكيّف والإنتاج خارج أرضه، دون فقدان خصوصية المحصول أو جودته.
ويقول الغول: "إن نقل زراعة الفراولة من غزة إلى عُمان يكتسب أهمية مضاعفة في هذا التوقيت، كونه يأتي في ظل انقطاع شبه كامل لهذا المحصول داخل القطاع، ما يجعل التجربة بمثابة امتداد رمزي لغزة و زراعتها خارج حدودها الجغرافية".

ولا تنفصل هذه التجربة عن سياقها الأوسع؛ فالحرب لم تصادر الأرض فقط، بل حاولت القضاء على أنماط عيش كاملة، من بينها الزراعة التصديرية التي شكّلت أحد أعمدة الاقتصاد المحلي في غزة.
ويؤكد الغول أن رأس المال الحقيقي للمزارع الغزّي لم يكن الأرض وحدها، بل الخبرة المتراكمة التي يمكن نقلها وإعادة إنتاجها في أماكن مختلفة.
ويوكد الغول لـ" شهاب":" أن الغزّي، حين يُجبر على الرحيل، لا يغادر خالي الوفاض. بل يحمل معه حرفة، ومعرفة، وقدرة على الإسهام في أي مكان يحل فيه.
في وقت غابت فيه الفراولة الغزاوية عن أرضها بفعل الحرب، عادت للظهور في أرض أخرى، حاملة اسمها وخبرتها، في تجربة تؤكد أن ما يُقتلع بالقوة من الأرض، قد يجد طريقه للحياة من جديد عبر الإنسان.
