تقرير _ شهاب
كشف جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعضو ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، عن ما وصفه بـ"المخطط الشامل" (Master Plan) لإعادة إعمار قطاع غزة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة الخطة وأبعادها السياسية والسيادية، بالتزامن مع انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وبحسب قراءة أولية قدّمها الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، فإن الخريطة المطروحة لا تقتصر على إعادة بناء ما دمّرته الحرب، إذ تمثل تصوراً متكاملاً لإعادة صياغة الجغرافيا والوظيفة الاقتصادية والاجتماعية لقطاع غزة.
وتُظهر الخطة تقسيم القطاع إلى مراحل تنفيذية متدرجة تبدأ من جنوبه، تحديداً رفح وخانيونس، وتتقدم شمالاً نحو مدينة غزة، ضمن ما يشبه آلية "استلام وتسليم" جغرافي منظم يخضع لجدول زمني محدد، ما يثير مخاوف من فرض ترتيبات إدارية وأمنية مرحلية.
وتشير الخريطة إلى تخصيص الشريط الساحلي لمشاريع استثمارية وسياحية كبرى، تتضمن نحو 180 برجاً، مقابل تحويل قلب القطاع إلى مناطق صناعية واسعة ومراكز بيانات متقدمة.
ويرى عفيفة أن هذا التوجه يعكس محاولة لتحويل غزة من مجتمع مدني ذي هوية وطنية إلى "منطقة وظائف اقتصادية" تخضع لمنطق الاستثمار والأسواق، بعيداً عن البعد التاريخي والسياسي للمكان.
أما على المستوى الأمني، فتلفت الخطة إلى شبكة طرق حلقية ومحاور دائرية تلتف حول التجمعات السكنية، وهي – بحسب عفيفة – بنية تحتية تسهّل التحكم بالحركة وإدارة العزل الجغرافي عند الحاجة، بما يتيح إمكانية فصل مناطق القطاع أو تطويقها أمنياً.
وفي حين تتضمن الخطة وعوداً بإنشاء ميناء ومطار وسكة حديدية لربط غزة إقليمياً، يبرز تساؤل مركزي حول الجهة التي ستملك القرار السيادي في تشغيل هذه المرافق، ومن سيمسك فعلياً بـ"مفاتيحها" الإدارية والأمنية.
ويخلص عفيفة إلى أن الخطة، رغم تغليفها بخطاب "الازدهار والإعمار"، تقدم الرخاء الاقتصادي كبديل عن الحقوق السياسية، وتحول عملية الإعمار إلى أداة ضغط لفرض ترتيبات جديدة على القطاع، ما يطرح علامات استفهام حول مستقبل السيادة والهوية في غزة.
ويظل السؤال الأبرز، وفق عفيفة، هو ما إذا كان بالإمكان بناء مستقبل حقيقي ومستدام لغزة في ظل بقاء القرار السيادي خارج أيدي سكانها، والتعامل مع أصحاب الأرض كقوة عمل أو مستفيدين مشروطين ضمن منظومة وصاية خارجية.
ومن جانبه، حذّر رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبدو من مخطط وصفه بـ"الخطير" يستهدف إنهاء الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، عبر سياسات تقوم على التدجين والإخضاع والتحكم الأمني والجغرافي.
وقال عبدو إن المعطيات المتداولة حول مخططات إعادة ترتيب القطاع تشير إلى إنشاء ميناء معزول في أقصى جنوب غزة، إلى جانب تقسيم المناطق الداخلية بشكل يدمّر النسيج الاجتماعي، وابتلاع مساحات واسعة من أراضي القطاع، خصوصاً في الشرق والشمال.
وأوضح أن المخطط يتضمن أيضاً حصر المعابر في أقصى الجنوب والشرق، مع إخضاعها لسيطرة أمنية إسرائيلية مباشرة، بما يقيّد حركة السكان ويعمّق عزل القطاع.
وأشار إلى أن الخطة تقوم على مراحل متدرجة تهدف إلى تغيير الهوية الوطنية الفلسطينية، وشطب حقوق اللاجئين، وإنهاء حق العودة، إلى جانب تعطيل دور المؤسسات الأممية العاملة في غزة، وطمس قضايا الأسرى والمفقودين.
وأضاف أن هذه الترتيبات تسعى إلى تفتيت الكينونة الجغرافية والسياسية لقطاع غزة، وتحويله إلى منطقة خدمات تُدار بما يخدم مشاريع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل سيطرة أمنية كاملة واستعباد ممنهج للسكان الفلسطينيين.
وأكد عبدو أن أي مخطط يتجاهل الحقوق السياسية والقانونية للشعب الفلسطيني، ويحوّل الإعمار أو الترتيبات الإنسانية إلى أدوات للهيمنة والسيطرة، يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولقواعد حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
