تقرير - شهاب
يواجه المواطنون في قطاع غزة أزمة يومية صامتة لا تقل قسوة عن أزمات توفير الغذاء والماء وغاز الطهي وغيرها من الاحتياجات الأساسية، مع تفاقم انعدام السيولة النقدية وغياب "الفكة" من الأسواق، في ظل حرب دمّرت البنية الاقتصادية وأوقفت الدورة المالية الطبيعية.
و بات شراء احتياجات بسيطة، كربطة خبز أو أجرة مواصلات، مهمة مرهقة، لا بسبب غلاء الأسعار فقط، بل لعدم توفر مبالغ نقدية صغيرة تتيح إتمام أي معاملة يومية.
ومع توقف البنوك عن العمل خلال الحرب لفترات طويلة، واعتماد السكان على التحويلات أو المساعدات، اختفت الفئات النقدية الصغيرة تدريجيًا من الأسواق.
هذا الواقع دفع التجار وأصحاب البسطات إلى فرض حلول كرفع السعر وجعل الدفع إلكترونيا أو إلزام الزبون بشراء كمية أكبر، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة هذه المشكلة.
تعب وإرهاق
ويشتكي المواطن مهند أبو مسامح قائلاً: "أحيانًا أملك المال لكن لا أستطيع الشراء، بكون معي ورقة من فئة خمسين أو مئة شيكل، ولا أحد يملك فكة، فأضطر لترك الحاجة أو أشتري شيئًا إضافيًا لا أحتاجه فقط لأحل مشكلة الفكة".
ويضيف أبو مسامح، في حديث لشهاب، أن هذه المشكلة تتكرر يوميًا، خاصة عند شراء الاحتياجات الأساسية، موضحًا أن غياب الفكة حوّل أبسط الأمور إلى مصدر تعب وإرهاق.
ويتابع: "حتى الخبز أو المواصلات صارت أزمة، أحيانًا أعود إلى البيت دون أن أشتري ما خرجت من أجله، ليس لأن المال غير متوفر، بل لأنه فش فكة".
ولا يختلف حال المواطن محمود ساق الله عن سابقه، إذ يواجه المشكلة نفسها، قائلاً: "أزمة الفكة تفرض عليّ خيارات، غصبًا عني؛ إما أن أتنازل عن الغرض الذي أريد شراءه أو أصرف كل إلي معي".
ويضيف ساق الله في حديثه لشهاب: "في بعض الأحيان أترك الأشياء التي أحتاجها، وأحيانًا أزيد من الشراء، وفي الحالتين أنا الخسران، وهذه معاناة الكل بعيشها بغزة وفش حل للأسف".
ومن جهته يقول محمد اسليم، وهو صاحب دكان صغير، إن أزمة انعدام السيولة والفكّة وضعت أصحاب المحال والبسطات أمام ضغط يومي مع الزبائن، رغم أنهم يعانون المشكلة نفسها.
ويوضح أن غالبية الزبائن يحملون أوراق نقدية من فئة 100 شيكل أو 50 شيكل، في وقت انعدمت فيه فئة 10 شيكل من السوق، وأصبح التعامل بفئة الـ20 شيكل صعباً لأن الجزء الأكبر منها مهترئ.
ويضيف اسليم: "إحنا ما بنرفضش نبيع، بس أحيانًا باضطر أعتذر من الزبون، وما في بإيدينا حل، يعني الفكّة مش موجودة، والبضاعة أصلاً غالية، وفي النهاية الخسارة بتقع علينا وعلى الناس".
سبب المشكلة وحلها
ويرجع الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، سبب أزمة انعدام السيولة والفكّة في قطاع غزة إلى عدم ضخ سيولة نقدية، في ظل الرفض الإسرائيلي المطلق لإدخال الأموال إلى القطاع لأكثر من عامين ونصف.
ويضيف أبو قمر في تصريح خاص لوكالة شهاب، أن جزءًا من السيولة تم إخراجه إلى خارج قطاع غزة، ما فاقم الأزمة، إلى جانب مشكلة العملة المهترئة التي فقدت ثقة المواطنين بها، الأمر الذي زاد الضغط على الفكّة في الأسواق.
وحول الحلول، يؤكد أبو قمر، أن معالجتها ممكنة من خلال تدخل سلطة النقد والبنوك، عبر ضخ سيولة نقدية، واستقبال العملة القديمة من خلال عمليات السحب والإيداع، إلى جانب إصدار بيانات رسمية تؤكد أن هذه العملات مقبولة ويجب الاستمرار في التعامل بها.
ويوضح أن قيام البنوك نفسها باستقبال هذه العملة عبر عمليات السحب والإيداع سيعيد الثقة بها بين المواطنين، وبالتالي سيساهم في حل أزمة السيولة والفكّة.
