تقديم إعلان التوسط القانوني ..

تقرير النفوذ الأمريكي يحمي "إسرائيل" ويعرقل العدالة في قضية الإبادة الجماعية في غزة

تقرير/ شهاب

تشهد القضية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية بشأن الحرب على غزة تطورات قانونية لافتة، بعد إعلان الولايات المتحدة تقديم ما يُعرف قانونيًا بـ"إعلان التوسط" للدفاع عن "إسرائيل" في مواجهة الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بتهمة انتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

ويثير هذا التدخل الأمريكي تساؤلات قانونية واسعة حول حدود مسؤولية الدول في النزاعات المسلحة، لا سيما عندما يتعلق الأمر باتهامات بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

حدود المسؤولية القانونية

فبينما تؤكد واشنطن أن الاتهامات الموجهة إلى "إسرائيل باطلة"، يرى خبراء في القانون الدولي أن الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل يفتح نقاشًا أوسع حول مدى إمكانية مساءلة الدول التي تقدم دعماً لدول متهمة بارتكاب جرائم دولية.

وفي ظل استمرار الحرب، وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع في قطاع غزة، تبرز تساؤلات حول التزامات الدول بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وحدود المسؤولية القانونية للدول التي تملك نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا في النزاعات المسلحة.

من جانبه، يرى الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان صلاح عبد العاطي أن الخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة بتقديم ما يُعرف بـ"إعلان التوسط" أمام محكمة العدل الدولية في القضية المرفوعة ضد "اسرائيل"، تمثل محاولة واضحة لحماية "إسرائيل" من المساءلة الدولية، على حساب مبادئ العدالة التي يفترض أن تقوم عليها المنظومة القانونية الدولية.

ويشير عبد العاطي إلى أن المذكرة التي قدمتها واشنطن للمحكمة، والتي أكدت فيها أن الاتهامات الموجهة لـ"إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية "باطلة"، تعكس توجهاً سياسياً أكثر منه قانونياً. فوفقاً له، فإن ربط هذه الاتهامات بمحاولات "نزع الشرعية عن "إسرائيل" والشعب اليهودي"، واستخدام خطاب يتحدث عن "الإرهاب"، يمثل – في جوهره – توظيفاً سياسياً للقضاء الدولي، يهدف إلى تشويه جوهر القضية المتعلقة بحقوق الضحايا الفلسطينيين، وتحويل النقاش من مسألة قانونية تتعلق بجرائم محتملة إلى سجال سياسي وأيديولوجي.

ويؤكد عبد العاطي أن إعلان التوسط الأمريكي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رأي قانوني أو موقف دبلوماسي عابر، بل يندرج – في رأيه – ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى إعاقة مسار العدالة الدولية، وإحباط أي جهود قانونية لمساءلة "إسرائيل" عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية.

ويرى أن هذا التدخل يعكس محاولة واضحة لخلق مظلة سياسية وقانونية تحمي "إسرائيل" من المحاسبة، وتمنع، في الوقت نفسه، توسيع دائرة المساءلة لتشمل الأطراف الداعمة لها.

وفيما يتعلق بالالتزامات القانونية الدولية، يوضح عبد العاطي أن الولايات المتحدة، بصفتها دولة موقعة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ملزمة قانونياً ليس فقط بعدم ارتكاب الإبادة الجماعية، بل أيضاً باتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوعها، والامتناع عن تقديم أي دعم يمكن أن يسهم في ارتكابها أو يسهل حدوثها.

تناقض واضح

غير أن الواقع – بحسب عبد العاطي – يكشف عن تناقض واضح بين هذه الالتزامات القانونية والسلوك الأمريكي الفعلي خلال الحرب على غزة. فواشنطن، وفق تقديره، قدمت دعماً عسكرياً وسياسياً واسعاً لـ"إسرائيل" طوال فترة الحرب، في وقت كانت فيه التقارير الدولية والمنظمات الحقوقية تحذر من مخاطر وقوع جرائم إبادة جماعية أو انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

ويشير عبد العاطي إلى أن هذا الدعم لم يقتصر على المواقف السياسية أو الدبلوماسية، بل شمل أشكالاً متعددة من الدعم العسكري واللوجستي، من بينها تزويد "إسرائيل" بالأسلحة والذخائر المتطورة، وفتح جسور جوية وبحرية لتسهيل نقل المعدات العسكرية، فضلاً عن استخدام الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن عدة مرات لمنع صدور قرارات دولية تدعو إلى وقف الحرب أو حماية المدنيين في قطاع غزة.

ويرى أن هذه الإجراءات، عندما تُدرس في سياقها القانوني، قد تثير تساؤلات جدية حول إمكانية اعتبارها شكلاً من أشكال المساهمة أو التواطؤ في الجرائم المرتكبة، خاصة إذا ثبت أن هذا الدعم قُدم مع علم مسبق بالتأثيرات الكارثية للحرب على السكان المدنيين.

ويضيف عبد العاطي أن إحدى القضايا المركزية في هذا الملف تتعلق بمحاولات منع المساءلة القانونية. فبحسب تقديره، تسعى الولايات المتحدة، من خلال تدخلها أمام المحكمة، إلى التأثير في مسار القضية وتقويض الجهود القانونية الرامية إلى التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية المحتملة، الأمر الذي قد يؤدي – إذا نجح – إلى ترسيخ نمط من الإفلات من العقاب على المستوى الدولي.

ويحذر من أن مثل هذا السلوك لا يقتصر تأثيره على القضية الفلسطينية فحسب، بل يهدد أيضاً مصداقية منظومة العدالة الدولية ككل، إذ يبعث برسالة مفادها أن الدول القوية أو الحليفة لقوى كبرى قد تتمكن من تجنب المساءلة، حتى في حال ارتكاب جرائم جسيمة.

وعلى صعيد المسؤولية القانونية، يوضح عبد العاطي أن القانون الدولي ينص بوضوح على أن أي دولة تقدم دعماً مادياً أو سياسياً يسهم في تسهيل ارتكاب جريمة إبادة جماعية قد تتحمل مسؤولية قانونية عن ذلك.

وتشمل هذه المسؤولية – وفقاً له – أبعاداً متعددة، من بينها المسؤولية الجنائية المحتملة للمسؤولين المتورطين، إضافة إلى المسؤوليات السياسية والمدنية التي قد تتجسد في دفع تعويضات للضحايا أو المشاركة في جهود إعادة الإعمار.

ويشير عبد العاطي إلى أن القضية المنظورة حالياً أمام محكمة العدل الدولية قد تتحول إلى سابقة قانونية دولية مهمة، خاصة في ظل انضمام عدد متزايد من الدول إلى الدعوى أو إعلان دعمها لها. فهذه المشاركة الواسعة تعكس – برأيه – إدراكاً متزايداً لأهمية هذه القضية في اختبار قدرة النظام القانوني الدولي على مساءلة الدول، ليس فقط عن أفعالها المباشرة، بل أيضاً عن دعمها أو مساهمتها في جرائم دولية يرتكبها حلفاؤها.

تعطيل المساءلة الدولية.

ويخلص عبد العاطي إلى أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن شبكة الدعم السياسي والعسكري التي تحيط ب"إسرائيل"، مؤكداً أن الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في هذا السياق، سواء من خلال الدعم المباشر أو عبر محاولات تعطيل المساءلة الدولية.

ويرى أن المسار القضائي الجاري قد يشكل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القانون الدولي على التعامل مع قضايا الإبادة الجماعية عندما تتداخل فيها مصالح الدول الكبرى ونفوذها السياسي.

يرى خبراء في العلاقات الدولية أن تدخل الولايات المتحدة في قضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية يعكس طبيعة التحالف الاستراتيجي مع "إسرائيل"، حيث تهدف واشنطن إلى حماية مصالح حليف رئيسي في المنطقة، مع مراعاة حسابات النفوذ السياسي والدبلوماسي في المجتمع الدولي.

ويشير الخبراء إلى أن هذه الخطوة قد تؤثر على صورة الولايات المتحدة عالميًا، إذ يراها البعض تعكس تفضيل المصالح السياسية على الالتزام بالقانون الدولي، ما قد يضعف مصداقيتها كمدافع عن حقوق الإنسان.

ويضيف الخبراء أن القضية قد تدفع الدول الأخرى إلى إعادة تقييم مواقفها تجاه الحرب في غزة، سواء بالتعبير عن الدعم أو التحفظ، وتشجع بعضها على الانخراط في المسار القانوني أو السياسي للمحكمة، ما يعكس أهمية القضية في اختبار قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ مواقف حاسمة تجاه النزاعات وانتهاكات حقوق الإنسان.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة