تقرير /شهاب
تتوتر حياة الغزيين وبرامجهم اليومية جراء "بورصة" رغيف الخبز، التي تشكّل أحد أهم متطلبات يومهم للاستمرار منذ بدء الإبادة؛ إذ تتفاقم أزمة الخبز في قطاع غزة مع تراجع الكميات الواردة من الدقيق ضمن برنامج الأغذية العالمي.
ويتسبب نقص الإمدادات المتعلقة بالخبز والوقود في ارتفاع الطلب على الخبز، في ظل تأثر إنتاجه من ناحية، وعودة ظاهرة تسرب الخبز وبيعه في السوق السوداء بأسعار أعلى من ناحية أخرى، في وقت تتزايد فيه معاناة الغزيين للحصول على احتياجاتهم الأساسية.
معاناة يومية مرهقة
ويقول جمال الغلبان (45 عاماً): إنّ الحصول على ربطة الخبز بات يشكّل معاناة يومية مرهقة، في ظل النقص الواضح في الكميات المطروحة في الأسواق، موضحاً أنه كان يشتري الربطة بالسعر الرسمي المحدد بـ3 شواكل، إلا أنه أصبح يواجه صعوبة كبيرة في العثور عليها بهذا السعر، ما يضطره في كثير من الأحيان إلى شرائها بسعر أعلى.
ويضيف أن سعر ربطة الخبز لم يعد ثابتاً، بل بات يتغير من وقت إلى آخر تبعاً للكميات المتوفرة في السوق، وفى كل صباح وكل منطقة يتغير السعر بشكل يومي.
وأشار إلى أنّ بعض الباعة يعرضونها بأسعار مضاعفة، وصلت في بعض الأوقات إلى 15 شيكلاً للربطة الواحدة، وهو ما يفوق قدرة الكثير من الأسر التي تعتمد على الخبز كغذاء أساسي يومي.
من جانبها، تقول أسماء جبر (33 عاماً): إن الحصول على ربطة خبز يحدد مسار بقية اليوم لكل عائلة، لا سيما في مخيمات النزوح التي يشكّل الخبز أساس حياتها، وسط تفاقم أزمة الوقود وغياب المساعدات ومنع دخولها لأيام متواصلة.
وتضيف أن الأزمة لم تقتصر على ربطة الخبز فحسب، بل امتدت إلى الطحين أيضاً؛ إذ ارتفع سعر كيس الطحين من 25 شيكلاً إلى 70 شيكلاً، نتيجة قلة كميات الخبز المتوفرة في الأسواق، إلى جانب تراجع كميات المساعدات الإنسانية التي كانت توزع الطحين على السكان، ما ضاعف من حجم العبء المعيشي على العائلات.
في غرب غزة، يرسم حديث علام أبو ضلفة، صاحب نقطة لبيع الخبز، صورة دقيقة لتحولات يومية قاسية تطرأ على هذا القطاع الحيوي، مع تفاقم الأزمة الحالية وانعكاساتها المباشرة على تفاصيل الحياة اليومية.
يقول علام إن بيع الخبز لم يعد كما كان في السابق، موضحاً أن الحركة ضعفت بشكل كبير بسبب قلة الدقيق وصعوبة وصوله إلى المخابز، إلى جانب نقص الوقود، وهو ما أدى إلى تراجع كميات الخبز المتوفرة في الأسواق.
خلل في السوق
ويستعيد البائع ما كانت عليه الأوضاع سابقاً، موضحاً أنهم كانوا يشترون ربطة الخبز بسعر ثابت يبلغ 2.7 شيكل، ويبيعونها للمواطنين مقابل 3 شواكل فقط، بهامش ربح بسيط لكنه مستقر، يضمن استمرارية العمل دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. غير أن هذا التوازن لم يصمد طويلاً، مع دخول الأزمة مرحلة أكثر تعقيداً.
ويشير أبو ضلفة إلى أن الأسعار شهدت خلال الفترة الأخيرة تقلبات حادة وغير مسبوقة، حيث باتت تكلفة شراء ربطة الخبز تتراوح بين 5 و15 شيكلاً، وهو فارق كبير يعكس حجم الخلل في السوق، ويرتبط بشكل أساسي بتفاوت الكميات المتوفرة واختلاف مصادر التوريد التي أصبحت غير مستقرة.
أمام هذا الواقع، يوضح أن الباعة يواجهون معادلة صعبة؛ إذ يضطرون في كثير من الأحيان إلى البيع بهوامش ربح ضئيلة للغاية، لا تتجاوز شيكلاً واحداً أو حتى أقل، في محاولة للحفاظ على استمرار عملهم من جهة، وعدم فقدان الزبائن من جهة أخرى، رغم الارتفاع الكبير في تكلفة الشراء.
ويحذر علام من أن استمرار نقص الخبز في الأسواق قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر، إذ يفتح شح المعروض الباب أمام زيادات إضافية في الأسعار.
ويبيّن أنه في حالات اشتداد النقص أو انعدام الكميات بشكل شبه كامل، يلجأ بعض الباعة إلى رفع هامش الربح لتعويض الخسائر المتراكمة، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطن، الذي يجد نفسه أمام سوق سوداء للخبز تثقل كاهله في ظل ظروف معيشية صعبة أصلاً.
بدوره، حذّر رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة عبد الناصر العجرمي من تفاقم أزمة الخبز في قطاع غزة، مؤكدًا أن السوق المحلي يعاني حاليًا من عجز يصل إلى 50% في تلبية احتياجات السكان.
وأوضح العجرمي خلال حديث خاص لوكالة "شهاب"، أن ملامح الأزمة بدأت تظهر مباشرة بعد شهر رمضان، نتيجة فجوة كبيرة بين الإنتاج والطلب، في ظل تراجع كميات الطحين والوقود المخصصة للمخابز.
وأشار إلى أن تقليصات برنامج الأغذية العالمي لحصص الطحين والسولار بنسبة 30% أدت إلى خفض الإنتاج اليومي من 300 طن إلى نحو 200 طن، ما فاقم من حدة الأزمة.
وأضاف العجرمي أن البرنامج يتجه تدريجيًا نحو تحويل المخابز من النظام المدعوم إلى النظام التجاري، مع الاستمرار في توفير السولار فقط، الأمر الذي يهدد استقرار الإنتاج ويزيد الأعباء على المواطنين.
وبيّن أن غياب ما يُعرف بـ"الطحين التجاري" يشكل العقبة الرئيسية أمام تشغيل 6 مخابز جديدة خلال شهر نيسان/أبريل، رغم الحاجة الملحّة لزيادة القدرة الإنتاجية.
ولفت العجرمي إلى وجود اتصالات مع الجانب "الإسرائيلي" لتقديم كشوفات بالمخابز المتوقفة، في محاولة لإدخال المواد اللازمة عبر التجار، في ظل القيود المفروضة على دخول الإمدادات.
وأكد العجرمي أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تزداد صعوبة، مع تأثر المواطنين بشكل مباشر بهذه الأزمة، خاصة أن شريحة واسعة تعتمد على الخبز المدعوم.
ودعا المؤسسات الدولية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل لضمان استمرار عمل المخابز وتأمين احتياجات السكان الأساسية.
من جانبه، يقول الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أزمة الخبز في قطاع غزة تمثل أحد أبرز المؤشرات الاقتصادية على اختلال السوق الغذائي، مشيراً إلى أن تراجع كميات الخبز المنتجة بنسبة تصل إلى 30%، في مقابل بقاء الطلب مرتفعاً بل وازدياده، يؤدي بشكل طبيعي إلى ارتفاع الأسعار وظهور السوق السوداء.
وأوضح أبو قمر أن ما يحدث حالياً في ملف الخبز يعكس خللاً واضحاً بين العرض والطلب، لافتاً إلى أن سعر ربطة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي يبلغ نحو 3 شواكل، في حين يتراوح سعرها في السوق بين 7 و15 شيكلاً، بزيادة تصل إلى 400%.
ويضيف أن تداعيات هذا الخلل امتدت إلى أسعار الدقيق، حيث ارتفع سعر كيس الطحين من 25 إلى 70 شيكلاً، بنسبة زيادة تقارب 180%، ما يعمّق من حدة الأزمة المعيشية التي تواجهها الأسر في القطاع.
ويشير أبو قمر إلى أن جذور الأزمة لا تتعلق بالأسعار فقط، بل تمتد إلى بنية التوريد والإنتاج، موضحاً أن تقليص عدد شاحنات المساعدات، وتعطل المخابز، ونقص الوقود، وغياب الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الآلات، كلها عوامل ساهمت في رفع تكلفة إنتاج الخبز قبل وصوله إلى المستهلك.
