ترجمة / شهاب
في قلب جدل دولي متصاعد ومحتدم حول الحرب على غزة، وما يرتبط بها من أسئلة عميقة تتعلق بحدود حرية التعبير داخل المؤسسات الدولية، وحياد الخطاب الحقوقي عندما يقترب من ساحات النزاع السياسي والعسكري، تبرز اسم فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كشخصية محورية أثارت خلال الفترة الأخيرة انقساماً واسعاً وحاداً في الأوساط السياسية والقانونية والإعلامية.
فبينما ينظر إليها فريق من المتابعين والحقوقيين باعتبارها صوتاً قانونياً جريئاً لا يخشى تسمية الانتهاكات وطرحها أمام الرأي العام الدولي، يرى فريق آخر أنها تجاوزت الخط الفاصل الدقيق بين العمل الحقوقي القائم على التوثيق والتحليل، وبين اتخاذ موقف سياسي قد يضعف حياد المنصب الأممي الذي تشغله.
في مقابلة مطوّلة أجرتها معها صحيفة "الغارديان"، تكشف ألبانيزي عن سلسلة من التداعيات التي تصفها بأنها كانت شخصية ومهنية في آن واحد، والتي تقول إنها بدأت تتصاعد بشكل واضح عقب نشر تقريرها حول الوضع في غزة عام 2024، وهو التقرير الذي حمل عنواناً صادماً ومثيراً للجدل: "تشريح عملية إبادة" التى تركبها اسرائيل داخل قطاع غزة .
وتوضح أن هذا التقرير لم يكن مجرد وثيقة تحليلية عادية، بل تحول إلى نقطة تحول مفصلية في مسار حياتها المهنية والشخصية، حيث ترتب عليه، بحسب روايتها، موجة من الضغوط والانتقادات والتبعات التي تجاوزت الإطار المهني إلى حياتها الخاصة.
وتصف ألبانيزي تجربتها خلال هذه المرحلة بمرارة شديدة، مستخدمة لغة تعكس حجم شعورها بالعزلة والصدمة، إذ تقول:"وضعوني في نفس الخانة مع القتلة الجماعيين وتجار المخدرات، لم تُتح لي حتى فرصة الدفاع عن نفسي، بل عوقبت دون محاكمة".
هذا التصريح، كما تنقله الصحيفة، يلخص بشكل مكثف إحساسها العميق بأنها تعرضت لعقوبة معنوية ومؤسساتية دون مسار قضائي أو إداري يتيح لها الدفاع عن موقفها، وهو ما ربطته لاحقاً بتصاعد الخلاف مع الإدارة الأمريكية، التي فرضت عليها في مرحلة لاحقة عقوبات وصفتها بأنها شاملة ومؤثرة بشكل مباشر.
من تقرير إلى عقوبة
تعود جذور هذه الأزمة إلى التقرير الأممي الذي أعدته وأصدرته ألبانيزي في مارس/آذار 2024، والذي خلص، بناءً على المعطيات التي جمعها، إلى أن الوضع الإنساني في قطاع غزة قد وصل إلى مستوى بالغ الخطورة، وأن المؤشرات المتوفرة قد تدل على "بلوغ عتبة الإبادة" بحق الفلسطينيين هناك.
وقد أثار هذا الاستنتاج، في حينه، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الدولية، نظراً لحساسية المصطلح المستخدم وما يحمله من دلالات قانونية وسياسية شديدة الثقل.
وبعد مرور نحو عام واحد على صدور التقرير، وفي يوليو/تموز 2025، اتخذت الولايات المتحدة خطوة غير مسبوقة تمثلت في فرض عقوبات مباشرة على ألبانيزي، في سياق اعتبرته هي امتداداً لموقف سياسي يستهدف عملها الحقوقي أكثر مما يستند إلى اعتبارات قانونية محايدة.
وتوضح أن هذه العقوبات لم تكن مجرد إجراء رمزي أو محدود الأثر، بل انعكست بصورة ملموسة على حياتها اليومية، وعلى وضعها المالي والقانوني، وعلى قدرتها على الحركة والتعاملات الدولية.
وتشير ألبانيزي إلى أن هذه الإجراءات لم تبقَ في نطاقها الإداري أو المهني، بل امتدت لتؤثر على تفاصيل حياتها اليومية بشكل مباشر، بما في ذلك قدرتها على إدارة شؤونها المالية والتنقل والتواصل، ما جعل آثارها، بحسب وصفها، تتجاوز البعد المهني إلى إعادة تشكيل نمط حياتها بالكامل.
"موت مدني"
بحسب ما ورد في التقرير، فإن الإجراءات التي فُرضت عليها من الجانب الأمريكي يمكن وصفها بأنها أقرب إلى حالة من "الموت المدني"، وهو تعبير يستخدم للدلالة على فقدان الشخص جزءاً كبيراً من حقوقه العملية والاجتماعية والاقتصادية دون أن يُحرم من حياته القانونية بالكامل.
وتوضح ألبانيزي أن هذه العقوبات تضمنت حظراً شاملاً لأي تعامل مالي أو خدمي معها من قبل أي جهات أو أفراد داخل الولايات المتحدة، وهو ما أدى عملياً إلى تجميد حساباتها البنكية، وتعطيل قدرتها على الوصول إلى أموالها، إضافة إلى مصادرة شقتها في واشنطن، ومنعها من استخدام بطاقات الائتمان على نطاق عالمي نتيجة الترابط العميق بين النظام المالي الدولي والبنية التحتية المالية الأمريكية.
وتقول إن هذا الوضع خلق تحولاً جذرياً في نمط حياتها اليومية، إذ لم يعد التأثير مقتصراً على عملها كمقررة خاصة، بل امتد ليشمل استقرارها الشخصي وقدرتها على ممارسة أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية، بما في ذلك التنقل والتسوق وإدارة الالتزامات المالية الأساسية.
ولا تقتصر التداعيات، بحسب ألبانيزي، على الجوانب المالية والإدارية، بل تتجاوز ذلك لتشمل تهديدات مباشرة على المستوى الشخصي، إذ تؤكد أنها تلقت تهديدات بالقتل عقب نشر تقريرها الأممي، ما دفعها إلى التعامل مع الوضع باعتباره تهديداً وجودياً لا مجرد خلاف مهني.
وخلال فترة إقامتها في تونس، تشير إلى أن عائلتها تلقت اتصالات مجهولة تضمنت تهديدات خطيرة طالت ابنتها البالغة من العمر 13 عاماً، حيث شملت التهديدات الإشارة إلى احتمال اختطافها أو الاعتداء عليها، مع ذكر اسم مدرستها بشكل مباشر، وهو ما اعتبرته تصعيداً بالغ الخطورة دفعها، بحسب روايتها، إلى طلب حماية أمنية عاجلة وفورية.
كما تضيف أن الضغوط لم تتوقف عند حدود التهديدات المباشرة، بل امتدت لتشمل عائلتها أيضاً، من خلال حملة منظمة استهدفت زوجها ماسيميليانو كالي، الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي، والتي انتهت، وفق قولها، بإبعاده من منصبه القيادي في ملف سوريا، وهو ما تعتبره جزءاً من سلسلة تداعيات مرتبطة بمواقفها وتقاريرها.
تضييق متعدد الجغرافيا
تقول ألبانيزي إن الضغوط التي واجهتها لم تكن محصورة في دولة واحدة أو سياق جغرافي محدد، بل امتدت عبر عدة دول ومؤسسات. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، واجهت محاولات لمنعها من المشاركة في ندوة عامة، حيث وصلت قوات من شرطة مكافحة الشغب إلى مكان الفعالية، في مؤشر على مستوى التوتر المحيط بوجودها وخطابها.
كما تشير إلى أنها تلقت تهديداً بالاعتقال تحت ذريعة "التقليل من شأن الهولوكوست"، وذلك على خلفية مقارنات تاريخية أجرتها بين جرائم الاستعمار الألماني في ناميبيا ومعسكرات الإبادة النازية، وهو ما يعكس، بحسب ما نقلته "الغارديان"، حجم الحساسية السياسية الشديدة التي تثيرها مداخلاتها في بعض الدول الأوروبية، خاصة عندما تتقاطع مع الذاكرة التاريخية والسياسية لتلك الدول.
وفي تطور قانوني لافت، رفعت ألبانيزي برفقة عائلتها دعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من كبار المسؤولين في إدارته، معتبرة أن العقوبات المفروضة عليها تمثل انتهاكاً صريحاً لعدد من التعديلات الدستورية الأمريكية.
وتستند الدعوى إلى أن هذه الإجراءات تنتهك التعديلات الأولى والرابعة والخامسة من الدستور الأمريكي، والتي تكفل حرية التعبير، والحماية من المصادرة التعسفية للممتلكات، وضمان الحق في الإجراءات القانونية العادلة. كما تشير الدعوى إلى أن ابنتها تحمل الجنسية الأمريكية، وهو ما يضيف، بحسب فريقها القانوني، بعداً دستورياً إضافياً يعزز من قوة القضية المطروحة أمام المحكمة.
وتؤكد ألبانيزي أن الهدف من هذه الخطوة القضائية لا يقتصر على المطالبة بالتعويضات أو معالجة الأضرار المالية، بل يمتد إلى محاولة مواجهة ما تعتبره مسعى منظماً لإسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الأمريكية تجاه إسرائيل، ومنعها من الاستمرار في أداء دورها الحقوقي.
الاستمرار رغم العزلة
ورغم كل هذه الضغوط المتراكمة، تؤكد ألبانيزي أنها لم تتراجع عن عملها كمقررة خاصة للأمم المتحدة، بل تواصل أداء مهامها وإصدار تقاريرها ومواقفها عبر مختلف المنصات، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تدخل في نقاشات مباشرة مع سياسيين وشخصيات عامة من مختلف أنحاء العالم.
وترى أن ما تتعرض له لا يمكن اختزاله في كونه خلافاً مع حكومتين فقط، بل تعتبره جزءاً من منظومة أوسع تسميها "نخباً مفترسة" عالمياً، ترى أنها تستفيد من الحروب والصراعات، وتعيد إنتاج النفوذ السياسي والاقتصادي من خلالها.
وتقول إنها رفضت الاستقالة من منصبها رغم الضغوط، واستمرت في إصدار تقارير أثارت جدلاً واسعاً، من بينها تقرير يتهم 63 دولة بالتواطؤ في ما يحدث في غزة، إضافة إلى تقرير آخر يشير إلى استفادة شركات عالمية كبرى من استمرار الحرب.
ورغم اتساع دائرة التأييد لها في بعض الأوساط، فإن ألبانيزي تواجه في المقابل انتقادات من داخل مجتمع حقوق الإنسان نفسه، حيث يرى بعض الخبراء أنها تميل أحياناً إلى استخدام لغة تتجاوز الحياد القانوني التقليدي، لتقترب من الخطاب السياسي، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للهجوم والجدل.
ومع ذلك، تشير مشاهد الاستقبال الشعبي التي حظيت بها في مناسبات متعددة إلى أنها أصبحت شخصية ذات حضور جماهيري واسع، وهو أمر نادر الحدوث في سياق عمل المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة.
"عندما ينام العالم"
تستعد ألبانيزي لإصدار كتاب جديد يحمل عنوان "عندما ينام العالم"، يتضمن عشر قصص إنسانية مختلفة، من بينها قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، في محاولة لتقديم سرد إنساني مباشر لمعاناة الحرب.
وترى أن هذا العمل يأتي في إطار توثيق التجربة الإنسانية في غزة من زاوية تتجاوز التحليل القانوني أو السياسي، لتصل إلى مستوى السرد الإنساني العميق الذي ينقل معاناة الأفراد بشكل مباشر.
ورغم التكهنات المتكررة حول احتمال دخولها عالم السياسة، تؤكد ألبانيزي أنها لا تنتمي لأي حزب سياسي، ولا ترى نفسها جزءاً من مشروع سياسي تقليدي، بل تعتبر أن دورها الأساسي يتمثل في تمهيد الطريق أمام جيل جديد من الأصوات الحقوقية والإنسانية.
وفي محاضرة ألقتها لاحقاً في جامعة جنيف، فوجئ الحضور بالحجم الكبير للإقبال، حيث امتلأت القاعة بالكامل، واضطر العشرات للوقوف خارجها بسبب كثافة الحضور.
وشارك في الفعالية طلاب من جنسيات مختلفة، ارتدى عدد كبير منهم الكوفية الفلسطينية، في مشهد يعكس التفاعل العاطفي والسياسي مع مضمون حديثها، بينما تكررت لحظات التصفيق خلال المحاضرة بشكل لافت.
وفي جلسة الأسئلة والأجوبة، طرحت إحدى الحاضرات سؤالاً حول الشجاعة في التعبير عن المواقف السياسية بعد فقدانها لوظيفتها نتيجة موقفها من غزة.
فجاء رد ألبانيزي حاسماً ومعبّراً عن موقفها:"حياتي أصبحت دوامة من التغييرات.. لكن لا خيار لدي إلا الاستمرار. لم أتخيل أبداً أن أعيش دون بطاقة بنكية، لكنني أفعل اليوم لأن الناس من حولي يساعدونني. حريتي اليوم أقوى من خوفي، والهزيمة لا تأتي إلا عندما تتوقف عن القتال".
بين عقوبات مالية صارمة، وتهديدات أمنية مباشرة، ودعاوى قضائية عابرة للقارات، تبدو فرانشيسكا ألبانيزي في قلب مواجهة تتجاوز موقعها كمقررة أممية، لتتحول إلى حالة جدل دولي واسع حول حدود العلاقة بين القانون والسياسة، وحول معنى حرية التعبير في زمن الحروب والصراعات المعقدة.
