مرضي يدفعون الثمن من صحتهم

الإبادة في غزة تحوّل العلاج إلى لغز طبي واجتهاد مفتوح على الخطر

الإبادة في غزة تحوّل العلاج إلى لغز طبي

تقرير / شهاب

في غزة، لم يعد المرض وحده هو الخطر، بل بات غياب القدرة على تشخيصه وحده أزمة عميقة، حوّلت الأمراض إلى علامات استفهام مفتوحة، تجبر الأطباء على اتخاذ قرارات مصيرية دون أدوات، في معادلة قاسية تبدأ بغياب التحاليل، ولا تنتهي إلا عند مخاطرة مباشرة بالحياة.

في غزة، تحوّل الطب من علم قائم على الأدلة إلى مغامرة علاجية بأجساد المرضى، في واقع يدفع ثمنه مرضى القطاع من دمائهم الحية.

غير مسبوقة عالميًا

داخل إحدى العيادات الطبية الميدانية، يجلس توفيق العجرمي، في الخمسين من عمره، متكئًا على الكرسي بصعوبة، إثر ألم حاد ينهش عموده الفقري ويمتد إلى ساقيه، يقيّده عن الحركة ويمنعه من ممارسة حياته الطبيعية. يصف ألمه للطبيب، لكن الوصف وحده لا يكفي. لا أجهزة أشعة، ولا تصوير تشخيصي، ولا حتى إمكانية لمعرفة إن كان ما يعانيه انزلاقًا غضروفيًا، أو ضغطًا عصبيًا، أو تآكلًا في الفقرات.

يعترف الطبيب بصراحة موجعة أن كل احتمال له علاج مختلف تمامًا، وأن أي خطأ في التقدير قد يفاقم الحالة أو يحوّلها إلى إعاقة دائمة.

هذه الأزمة العميقة في غياب الصورة الطبية، النابعة من نقص معدات الفحص المخبري وصور الأشعة التشخيصية، تجعل علاج العجرمي قائمًا على المسكنات والانتظار، وعلى قدرته على التحمل، إلى أن يصل إلى مرحلة العلاج التجريبي وفق المعطيات الأكثر دلالة على المرض.

في مكان آخر بغزة، تعيش نور أبو بطيحان، شابة في التاسعة عشرة من عمرها، أزمة غير مسبوقة عالميًا في القرن الواحد والعشرين، تغيب فيها أجهزة التشخيص والفحوصات المخبرية بفعل منع الاحتلال دخولها إلى غزة، في حين يسمح بدخول عشرات السلع الترفيهية والثانوية، بينما يُمنع دخول كافة المعدات والأجهزة الطبية، إضافة إلى منعه دخول العلاج والاحتياجات الطبية.

تحمل نور جسدًا لا أحد يعرف علته طبيًا. فقدت وزنًا كبيرًا، يداهمها دوار مستمر، وتتسارع ضربات قلبها دون سبب واضح. الأعراض المتداخلة، من وجهة نظر الأطباء، تحتاج إلى تحاليل دم دقيقة وفحوصات مخبرية وصور أشعة لفهم ما يجري داخل جسدها.

وتقول نور لـ"شهاب": "يتنقل الأطباء بين الاحتمالات، دون قدرة على الجزم. مرة يُشتبه بفقر دم، ومرة بإرهاق حاد، وأخرى بخلل هرموني. تلقيت أدوية دون تشخيص حقيقي، اعتمد فيها الأطباء على الاجتهاد في التشخيص، فيما يبقى المرض المحتمل، إن وُجد، يتقدم بصمت في جسدي."

وفي قسم الأطفال، كان المشهد أكثر قسوة إذا يقبع يزن، ذو الخامسة من عمره، في المستشفى منذ عدة أيام، إثر ظهور انتفاخ غير طبيعي في منطقة البطن يزيد بشكل يومي. لم تستطع الفحوصات السريرية وحدها تفسيره، ولا خبرة الأطباء في الحالات المتواردة إليهم. فخفايا جسد الطفل غير متوقعة؛ هل السبب خلل في الأمعاء، أم مشكلة في الكبد، أم تجمع سوائل، أم حالة أكثر خطورة؟

مكتوف الأيدي

يقف الطبيب مكتوف الأيدي، لا لقصور في المعرفة، بل لغياب الأدوات. في حالة طفل، كل ساعة تأخير قد تصنع فرقًا بين الشفاء والمضاعفات، لكن القرار الطبي مشلول، والانتظار هو الخيار الوحيد أمام أزمة غزة الإنسانية.

تتقاطع حكايات المرضى جميعهم في غياب أدوات التشخيص والتحاليل المخبرية، وبالتالي لا تشخيص ولا فحوصات، وهذا يعني خيارين كلاهما مرّ: الأول، علاج تجريبي، والثاني، العيش على المسكنات والاستعانة بالقدرة على التحمل.

من جانبه، أكد محمد مطر، رئيس قسم الأشعة في مستشفى الشفاء، أن الوضع داخل المستشفى تجاوز كونه نقصًا فنيًا، ووصفه بأنه "انهيار تشخيصي كامل".

وقال مطر إن أجهزة الأشعة ليست مجرد رفاهية، بل تُعد واحدة من أهم الأدلة الطبية التي يستعين بها الأطباء للوصول إلى قرار علاجي حقيقي، وغياب هذه الأدلة يعني أن احتمالات الخطأ بالعلاج مفتوحة على مصراعيها.

وأشار مطر إلى أن المستشفى يتعامل يوميًا مع عشرات الحالات التي كان من الممكن إنقاذها بسهولة لو توفرت أجهزة الأشعة، مضيفًا أن بعض المرضى يصلون إلى المستشفى، والأطباء مضطرون لتخمين طبيعة إصاباتهم اعتمادًا على الفحص السريري فقط، وهو ما وصفه بأنه وضع غير إنساني.

وأوضح مطر أن أصحاب الأمراض المزمنة هم الأكثر تضررًا، حيث يشهد المستشفى حالات فشل كلوي، والتهابات حادة، وكسورًا داخلية، وكل حالة تحتاج إلى صورة دقيقة لتحديد العلاج المناسب، وفي غياب التشخيص يصبح الأمر محفوفًا بالمخاطر.

الحدس والفحص اليدوي

وبيّن مطر أن الأطباء يشعرون بعجز شديد، وقال: "نحن متدرّبون على اتخاذ القرارات الطبية بناءً على الأدلة، لكن اليوم يعتمد كل شيء على الحدس والفحص اليدوي. هذا لم يعد طبًا، بل مقامرة بحياة الناس".

بدورها، حذّرت الدكتورة سحر غانم، مديرة وحدة المختبرات وبنوك الدم في وزارة الصحة، من تدهور خطير يضرب خدمات المختبرات وبنوك الدم في قطاع غزة، في ظل نقص حاد ومستمر في مواد الفحص والمستلزمات المخبرية الأساسية، ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية على تقديم الخدمات للمرضى.

وبيّنت أن العديد من الفحوصات الأساسية باتت مهددة بالتوقف أو توقفت فعليًا، وفي مقدمتها الفحوصات الضرورية لتشخيص الأمراض وإنقاذ حياة المرضى، مثل فحوصات الدم الشاملة (CBC)، وأملاح الدم، والفحوصات الكيميائية، والمزارع البكتيرية، وفحوصات بنك الدم، إضافة إلى فحوصات نسب الأدوية في الدم، والفحوصات الخاصة بمرضى الغدد وزراعة الكلى، وغيرها من الفحوصات الحيوية.

وأضافت أن أكثر من 60% من أجهزة المختبرات خرجت عن الخدمة، إما بسبب تدميرها المباشر أو حاجتها الماسة إلى قطع غيار غير متوفرة، ما يهدد استمرارية العمل في ظل تهالك الأجهزة المتبقية.

وأكدت أن الطواقم الطبية تحاول مواصلة تقديم الخدمات المتاحة عبر وسائل بديلة وبدائية في بعض الفحوصات، إلا أن هذه الحلول مهددة بالتوقف في أي لحظة بسبب عدم توفر كميات كافية من المواد المخبرية.

وأوضحت غانم أن ما دخل إلى المختبرات من مستلزمات منذ وقف إطلاق النار لا يغطي سوى أقل من 20% من الاحتياج الفعلي، مؤكدةً أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة صحية حقيقية في قطاع غزة.

أرصدة صفرية 

وكشفت الوزارة في بيان صحفي أن 75% من مواد الفحص الكيميائي غير متوفرة حاليًا، فيما بلغت نسبة النقص في أرصدة مواد فحوصات ونقل الدم 90%، حيث وصل رصيدها إلى الصفر.

وأدى النقص الحاد إلى توقف الفحوصات الحيوية اللازمة لمرضى الغدد والأورام وزراعة الكلى، إضافة إلى فحوصات أملاح الدم وتحليل CBC، فيما أشارت الوزارة إلى أن 72% من مواد فحص المزارع البكتيرية غير متوفرة أيضًا.

وأوضحت وزارة الصحة أنه لم يتم منذ أشهر إدخال أي مواد مخبرية أو مستلزمات لبنوك الدم إلى القطاع، مما يعني تفاقم الأزمة إلى حد قد يعيق تشخيص المرضى بشكل دقيق وإجراء العمليات الجراحية الضرورية.

وطالبت الوزارة الجهات المعنية المحلية والدولية بالتدخل العاجل لتعزيز أرصدة المختبرات وبنوك الدم، محذرةً من تداعيات استمرار هذا الوضع على صحة وحياة آلاف المرضى في القطاع.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة