تقرير خاص - شهاب
في أحد أحياء غزة المدمرة، يجلس "محمود حماد" على ركبتيه بين أكوام الإسمنت والحجارة التي كانت يوما بيته، يمسك منخلًا بدائيا ويُمرّر فيه التراب ببطء، يقول بصوتٍ متعب: "أبحث عن أي أثر لأطفالي، قطعة صغيرة فقط لأدفنها بكرامة، لا أريد أن يبقوا تحت الركام إلى الأبد".
فقد محمود زوجته وأطفاله في غارة جوية دمّرت المنزل قبل أكثر من عامين، ومنذ ذلك الوقت، يعود إلى المكان بشكل شبه يومي، يضع ما يجده من شظايا صغيرة في صندوقٍ خشبي، ينفض عنها الغبار، ثم ينظر إليها طويلا قبل أن يعيدها إلى الصندوق.
ويضيف الأب المكلوم محمود في حديثه لـ (شهاب): "أحيانا أشعر أن بعض ما أجده يعود لطفلة لم تولد بعد، زوجتي كانت حاملًا في شهرها الأخير، كنا نجهّز لها ملابسها وسريرها، كل شيء ضاع في لحظة".
يستعيد محمود آخر صباح جمعه بعائلته قبل القصف، يقول: "كنا نفطر معا في غرفة الجلوس، وكانت زوجتي تمزح معي حول اسم المولودة القادمة، بعد دقائق فقط، سمعت صوت الانفجار، استيقظت تحت الركام، وهم لم يستيقظوا". يتوقّف للحظة ثم يتابع: "خرجت حيا، لكن قلبي بقي هناك تحت الحجارة".
وبعد أشهر من العلاج من إصاباته، عاد محمود إلى موقع بيته المهدم، نصب خيمة صغيرة قرب الركام، وقرر البقاء في المكان، يشرح ذلك بقوله: "أشعر أنهم ما زالوا هنا، إذا تركت المكان، كأني أتركهم وحدهم، لا أستطيع أن أرحل".
حاول محمود الاستعانة بفرق الإنقاذ، لكن نقص المعدات الثقيلة وصعوبة الوصول إلى الموقع جعلا الاستجابة محدودة.
يقول: "انتظرت طويلا، لكن لم يأتِ أحد، لم يبقَ لي سوى يديّ ومعول بسيط". بدأ يعمل وحده، يكسّر الجدران المتهاوية وينقل الحجارة في أكياس "حجرًا فوق حجر، هذا كل ما أقدر عليه" كما قال.
وخلال الحفر، عثر محمود على شظايا عظمية صغيرة، أرسل صورها لطبيب عبر تطبيق واتساب، فأخبره أنها قد تعود لطفل، يعلّق محمود: "لا أحتاج إلى تقارير طبية، يكفيني أن أصدق أن هذا منهم، لأدفنهم وأرتاح قليلا".
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، لا يزال آلاف المفقودين مدفونين تحت ركام البيوت التي دمّرتها الغارات خلال الحرب الأخيرة على القطاع.
ورغم وجود محاولات لانتشال المفقودين بعد وقف إطلاق النار، فإن قلة الجرافات والآليات الثقيلة تُبطئ العمل وتُبقي كثيرا من العائلات في انتظار طويل ومؤلم.
وتُقدّر الأمم المتحدة حجم الدمار في غزة بعشرات ملايين الأطنان من الأنقاض، ما يجعل الوصول إلى العالقين مهمة صعبة في مناطق واسعة.
كما تُعيق القيود على إدخال المعدات الثقيلة تسريع عمليات البحث، فيما يواصل عناصر الدفاع المدني الفلسطيني في غزة العمل بإمكانات محدودة.
محمود لا يطلب أكثر من قبر صغير يضع فيه ما يعثر عليه من بقايا عائلته، يقول: "الدفن لن يُعيدهم، لكن سيُريح قلبي، أريد مكانًا أعرف أنهم فيه، أزورهم وأتحدّث معهم". يتوقّف أحيانا عن الحفر حين يشتد عليه التعب، ثم يعود ليُكمل.
