حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الثلاثاء، من اضطراب غير مسبوق في سلاسل الإمداد الغذائية العالمية بفعل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وتداعياتها المباشرة على حركة النقل البحري، واصفاً الوضع بأنه "الأعنف منذ جائحة كورونا وبداية الحرب في أوكرانيا".
وكشفت كورين فلايشر، مديرة سلاسل الإمداد في البرنامج، خلال مؤتمر صحافي عقد عبر تطبيق "زووم" من روما وبثّ من قصر الأمم في جنيف، أن النزاع الراهن يعرقل عمليات إيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق الإنقاذ حول العالم، مما ينذر بتأخيرات طويلة وارتفاع حاد في التكاليف قد يتحول إلى أزمة جوع واسعة النطاق.
وأفادت فلايشر بأن نحو 70 ألف طن متري من المواد الغذائية تأثرت مباشرة بالوضع الحالي.
وأوضحت أن نصف هذه الكميات محمول على سفن استئجار فضفاضة (Bulk carriers)، بينما يوجد النصف الآخر داخل حاويات إما أنها لا تزال في طريقها أو عالقة في موانئ مختلفة دون حركة.
ورغم تأكيد المسؤولة الأممية على أن برنامج الأغذية العالمي لا يستخدم مضيق هرمز بشكل مباشر لنقل شحناته، إلا أنها شددت على أن "كامل الشبكة اللوجستية العالمية تشهد اضطراباً شاملاً".
وأشارت إلى أن التداعيات تمتد لتشمل تعطل السفن في الموانئ، وصعوبة رسوها أو مغادرتها، بالإضافة إلى عدم تفريغ الحاويات، ما خلق قيوداً حادة في توافر الحاويات ووضعها في أماكن غير مناسبة للتحميل.
وتوقعت فلايشر استمرار هذه المشاكل لعدة أشهر، مستشهدة بالتجربة السابقة بعد انتشار وباء كوفيد-19، حيث استغرق عودة الأمور إلى طبيعتها ما بين أربعة وخمسة أشهر بمجرد استقرار الأوضاع.
وفي مواجهة هذه التحديات، تضطر شركات الشحن الكبرى لتجنب عبور قناة السويس والبحر الأحمر، مما فرض على البرنامج إعادة توجيه سفنه عبر رأس الرجاء الصالح للوصول إلى شرق أفريقيا.
وأوضحت فلايشر أن هذا المسار البديل يطيل زمن الرحلات بمعدل يتراوح بين 25 و30 يوماً، ويرفع تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 15% و25% بسبب زيادة فترات التشغيل واستهلاك الوقود وارتفاع أسعاره.
ولم يقتصر التأثير على النقل البحري فقط، بل امتد ليشمل المسارات البرية المعقدة. وضربت فلايشر مثالاً على الوضع في أفغانستان، حيث يعاني 17 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. فبسبب التوترات بين باكستان وأفغانستان وانطلاق الحرب في إيران، اضطر البرنامج إلى تحويل مسار شحنات الغذاء القادمة من باكستان بعيداً عن ميناء بندر عباس الإيراني، وإعادة توجيهها عبر ميناء جبل علي في دبي.
ومن دبي، سيتم نقل البضائع براً عبر مسار طويل ومعقد يمتد عبر عدة دول في المنطقة وآسيا الوسطى وصولاً إلى أفغانستان.
وقالت فلايشر إن هذا المسار الجديد يضيف نحو 1000 يورو إلى تكلفة كل طن متري، ويتسبب في تأخير يصل إلى ثلاثة أسابيع، رغم أنه يمثل محاولة لفتح طريق بري بديل في حال استمرار الأزمة.
جهود التخفيف وإعفاءات مالية
في محاولة لامتصاص صدمة التكاليف، كشف البرنامج عن نجاحه في التفاوض مع خطوط الشحن للحصول على أولوية للشحنات الإنسانية، مستفيداً من كونه وكالة الأمم المتحدة الوحيدة التي تمتلك قسم شحن خاص يتعامل مباشرة مع مالكي السفن.
كما نجح البرنامج في التفاوض للحصول على إعفاء من الرسوم الإضافية (Surcharges) التي تفرضها خطوط الشحن وبعض الموانئ المعرضة للخطر في الشرق الأوسط، والتي كانت تتراوح بين 2000 و4000 دولار أمريكي لكل حاوية، أي ما يعادل حوالي 200 دولار إضافي للطن المتري.
وأكدت فلايشر أن هذا الإعفاء وفر على البرنامج حتى الآن نحو 1.5 مليون دولار أمريكي.
وانعكست الأزمة العالمية بشكل مباشر ومدمر على تكاليف النقل المحلية في بعض الدول الأكثر هشاشة. ففي لبنان، سجلت تكاليف النقل البري ارتفاعاً بنسبة 45%، بينما في أفغانستان، أدت عمليات إعادة التوجيه المتكررة إلى مضاعفة التكاليف الأصلية ثلاثة أضعاف.
وحذرت فلايشر من أن هذه الزيادات تترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية، مما يضع ضغوطاً هائلة على الفئات الأكثر فقراً.
وقالت: "لسنا قلقين بشأن الأشخاص الذين يقصدون محطات الوقود لملء سياراتهم، بل قلقنا منصب على السكان الذين يخصصون بالفعل ما بين 50% و70% من دخلهم لشراء الطعام. إذا استمرت تكاليف المعيشة في الارتفاع، فلن يعود هؤلاء قادرين على توفير غذائهم".
ختاماً، قدم البرنامج أرقاماً مفزعة حول المستقبل القريب. وحذر من أنه في حال استمرار الوضع الحالي حتى شهر حزيران/يونيو المقبل، فإن 45 مليون شخص إضافي قد ينضمون إلى قائمة من يعانون من الجوع الحاد.
وبهذا العدد الجديد، سيرتفع إجمالي السكان الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي في العالم من 318 مليوناً حالياً إلى 363 مليوناً.
وشددت فلايشر على أن هذا الخطر يتفاقم في وقت يشهد فيه التمويل العمليات الإنسانية انخفاضاً غير مسبوق، مما يحد من قدرة البرنامج على الاستجابة.
وختمت قائلة: "نحن قلقون فعلاً حيال ازدياد الاحتياجات، وارتفاع الأكلاف، وخطر عدم التمكن من الوصول إلى السكان بسبب هذا المزيج المعقد من التحديات".
