خاص – شهاب
بين أنقاض منزلها الذي دمره الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة، انحنت الطفلة مسك محمد الخضري (14 عامًا) تبحث عن بقايا ذكرياتها، لتجد زجاجة طلاء أبيض وبعض الصبغات متناثرة وسط الركام. في البداية لم تعتبرها شيئًا مهمًا، وتساءلت: "ماذا سأفعل بها؟" لكن حين عادت إلى مكان نزوحها، لمعت فكرة في ذهنها: "ربما يمكنني أن أرسم بها."
تقول مسك، إنها بدأت الرسم منذ طفولتها بأقلام الرصاص والألوان الخشبية، وكانت رسوماتها بسيطة، لكنها خلال الحرب اكتشفت قدرتها على الرسم بالألوان المائية، واكتشفت أيضًا حبها لها، وقدرتها على التعبير بها عن مشاعر لم تستطع قولها بالكلمات.
وتروي، في حديثها لوكالة شهاب، أنها عندما عادت من تفقد منزلهم المدمر في حي النصر، خطرت لها فكرة استخدام الطلاء للرسم، رغم أنها لا تملك فراشي أو أوراقًا خاصة، فاستخدمت ممحاة أقلام الرصاص بدل الفرشاة، وأوراق الدفاتر العادية بدل اللوحات.
وتضيف: "لما رسمت أول مرة كنت سعيدة جدً، حسيت إني بعمل إشي مختلف عن قبل".
واستمرت مسك في الرسم، ومع الوقت تحسّن مستواها، حتى قررت يومًا أن تقلد صورة حقيقية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى، وبعد قياسات وحسابات عديدة أنهت لوحتها الأولى التي وصفتها بأنها "إنجاز كبير"، قائلة: "حسّيت حالي فنانة ما في زيّها، كأني طرت فوق السحاب".
عندما لاحظت عائلتها جمال رسوماتها، شجعتها ودعمتها للاستمرار، فاشترت ألوانًا جديدة رغم ارتفاع أسعارها وانقطاعها، محاولةً تنمية موهبتها وسط ظروف الحرب القاسية.
بالنسبة لمسك، لم يكن الرسم هواية فقط، بل وسيلة للتعبير عن الحزن والخوف والتوتر، تقول: " كنت كل ما أشعر بالخوف من الحرب أو القصف أو النزوح، بلجأ لعالمي الخاص، برسم اللي جواي، وبغوص بين ألواني وأفكاري".
وتضيف: "رسمت حين كانت طائرات الكوادكابتر تحوم حول النوافذ وتطلق الرصاص، ورسمت حين شعرت بأن بعض الدول العربية تخلّت عن غزة وتركتها وحيدة في ظلمة الحرب، ورسمت عندما جاء أسطول الحرية لإغاثة أهل غزة ثم أُسر، ورسمت لتوثّق مشاهد لن تغيب عن ذاكرتي".
ومن أكثر المواقف التي أثّرت فيها خلال الحرب، طفلٌ في السابعة من عمره كان يصعد إلى نافذة بيته المهدم ليؤذن، في وقتٍ غاب فيه صوت الأذان تمامًا وسط النزوح والخوف. تصف صوته بأنه كان "طمأنينة وأنسًا وسط الرعب"، لكن حين اشتد القصف وتوقف، شعرت وكأن شيئًا من الأمان قد اختفى.
وبعد انتهاء الحرب رسمت مسك ذلك الطفل في لوحة صغيرة وأهدتها له، ففرح بها كثيرًا. تقول: "فرحت إني قدرت أسعده زي ما كان يسعدنا بصوته".
وترى مسك أن لوحاتها ليست ألواناً على الورق، بل رسائل موجّهة إلى العالم."بدي اللي يشوف رسوماتي يفكر فينا بغزة، و أن يشعر كما نشعر به و يحس بحالنا وبمآسينا وخوفنا، وأحزاننا وأن يقف بصفنا لا أن يطعننا من ظهورنا و أن يخذلنا".
ورغم الظروف الصعبة التي يمر بها قطاع غزة، تحلم مسك بأن تصبح رسامة كبيرة، تمتلك الأدوات التي تساعدها على رسم كل ما تشعر به، وأن يرى العالم لوحاتها كقصص حقيقية مستوحاة من واقعٍ عاشه الغزيون، اختلطت فيه الألوان بمشاعر الحزن والخوف، كما اختلطت بالأمل أيضًا.
