يعيش موظفو حكومة غزة، واحدة من أكثر التجارب قسوة خلال سنوات الحصار والحرب المتعاقبة، فهذه الفئة التي شكّلت عماد الوزارات ومراكز الشرطة والمستشفيات وسائر المرافق الخدمية، لم تغادر مواقعها يومًا، حتى مع توغل الإبادة في صفوفهم وسقوط زملائهم وعوائلهم تحت القصف.
ورغم كونهم الأكثر تأثرًا بالحصار والانقسام وتعطل انتظام الرواتب، استمروا في أداء مهامهم في ظل تدمير اقتصادي واسع وانقطاع مصادر الدخل، انحدر غالبيتهم من طبقة موظفة مستقرة نسبيًا إلى فئة فقيرة تكافح يوميًا لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، في واقع معيشي يزداد قسوة مع رواتب مقلّصة وأسعار تتصاعد بلا سقف.
فوق خط الفقر
يقول حافظ أبو رويضة (44 عامًا)، موظف إداري في وزارة الصحة بغزة، إنه لم يغادر مقر عمله طوال شهور الإبادة، رغم المخاطر المباشرة واستهداف المنظومة الصحية، مؤكدًا أن الموظفين الحكوميين في القطاع كانوا في قلب العاصفة منذ اليوم الأول.
ويضيف: "كنا نداوم في ظروف استثنائية، نقص حاد في الإمكانات، ضغط عمل مضاعف، وانقطاع متكرر للرواتب أو صرفها بنسب ضئيلة، كنا نعمل ونحن لا نعرف متى أو كم سنتقاضى، لكننا لم نترك مواقعنا".
ويوضح أبو رويضة لـ"شهاب" : "الأزمة لم تكن في العمل فقط، بل في البيت و الغلاء الفاحش بفعل الحرب والحصار جعل تأمين أبسط احتياجات الأسرة تحديًا يوميًا. الخبز، الزيت، الحليب، وحتى المستلزمات الأساسية للأطفال أصبحت عبئًا يفوق قدرتنا".
ويتابع: "مع اقتراب شهر رمضان، قفزت الأسعار بشكل غير مسبوق، لم نعد نفكر في الطقوس أو الزينة أو حتى الحلوى للأطفال، الأولوية أصبحت لتأمين وجبة متواضعة تسد جوع صغارنا ، مشيرا أن الابادة نقلت الموظف الذي كان يُعد من الطبقة المتوسطة في غزة، لشخص يكافح ليبقى فوق خط الفقر".
وينوه إلى أن استمرار الحصار وتعطل انتظام الرواتب والتقليصات المتكررة جعلت موظفي حكومة غزة من أكثر الفئات استنزافًا خلال السنوات الماضية، مضيفًا: " خسرنا بيوتنا وأقاربنا، ومع ذلك بقينا في مواقعنا، لكن الواقع المعيشي اليوم بات يضعنا في مواجهة يومية مع العجز".
قسوة وقهر
أما أمل أبو توهة موظفة في حكومة غزة، تستقبل رمضان هذا العام كما استقبلته الأعوام الثلاثة الماضية بقسوة وجوع وحرمان، فراتبها الذي تتقضاه كل خمسين يومًا بالكاد يكفي يومين، ما يجعلها مثل آلاف الموظفين الآخرين في القطاع أمام أزمة خانقة لتأمين أبسط احتياجات الحياة، ناهيك عن مستلزمات رمضان.
تقول أمل لـ"شهاب": "رمضان للعام الثالث على التوالي نعيشه بقسوة وقهر وذل، لم نشتري أي شيء من احتياجات الشهر، لا فوانيس، لا حلويات، لا أي شيء للأطفال، لذا كل ما سأعتمد عليه هو التكيات التي تقدم الطعام للنازحين في منطقتي."
وتتابع: "الوضع المالي للموظفين لم يأتِ فجأة بسبب الحرب فقط، فغزة تحت حصار مستمر منذ أكثر من 20 عامًا، ورواتبنا مقلصة دائمًا بنسب تقل عن النصف نتيجة حصار حكومة غزة ، منوهة أن حالها يتشابه مع حال 45 ألف موظفًا، هم الفئة الأكثر تضررًا وضعفًا خلال الحرب، نعيش كل يوم مع شعور بالعجز التام عن توفير لقمة العيش".
توضح أمل واقع الموظفين: كل شيء يمكن أن يخطر في بال أي شخص على وجه الكون أصبح رفاهية، هذا الواقع يجعلنا نواجه رمضان بقلق دائم، كل لقمة هي معركة للبقاء والصمود، مؤكدة أن موظفون غزة الفئة الأكثر انتهاكًا خلال الإبادة والأكثر فقرًا على مدار حقبة زمنية كبيرة.
من جانبه قال الاقتصادي أحمد أبو قمر :" أن أزمة الرواتب في قطاع غزة بلغت مرحلة غير مسبوقة من التعقيد، مع اقتراب شهر رمضان في ظل أوضاع معيشية ضاغطة".
مفارقة اقتصادية
وأوضح أن القطاع يعيش مفارقة اقتصادية قاسية، حيث يتراجع الدخل بشكل حاد في الوقت الذي تواصل فيه الأسعار ارتفاعها نتيجة تداعيات الحرب وما خلّفته من تدمير واسع للقطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأشار إلى أن نسب البطالة المرتفعة وخروج قطاعات كاملة عن الخدمة بفعل الإبادة أسهما في تقليص مصادر الدخل لدى آلاف الأسر، ما جعل الراتب الحكومي، رغم محدوديته، يشكّل شريان حياة أساسيًا لكثير من العائلات.
وبيّن أن الرواتب لم تعد تُصرف بانتظام، إذ يتلقى الموظفون العموميون نسبًا مجتزأة من رواتبهم؛ إذ يحصل موظفو غزة على مبالغ مقطوعة تقارب ألف شيكل تُصرف على فترات متباعدة قد تمتد لشهر أو شهرين، بسبب الحصار المفروض على غزة بشكل كامل.
ولفت إلى أن الحد الأدنى اللازم لمعيشة متوسطة في ظل مستويات الأسعار الحالية لا يقل عن ثلاثة آلاف شيكل شهريًا، ما يعني أن غالبية الأسر تعيش فجوة واضحة بين دخلها الفعلي وتكاليف المعيشة.
وأكد أبو قمر لـ"شهاب" :"أن هذه الأزمة لا تقتصر آثارها على الموظفين، بل تنعكس على مجمل الحركة الاقتصادية، إذ يؤدي ضعف القدرة الشرائية إلى ركود في الأسواق وتراجع في عمليات البيع والشراء، حتى في حال توفر السلع.
واعتبر أن استقبال رمضان في ظل تكرار أزمات الرواتب يضع الأسواق المحلية أمام حالة شلل نسبي، ويُضعف ديمومتها، لأن تحريك العجلة الاقتصادية يبقى مرهونًا بوجود دخل منتظم يمكّن الأسر من الاستهلاك.
"خراب تنموي"
ويرى أبو قمر أن أزمة رواتب الموظفين لا تبدو مجرد مجرد خلل مالي مؤقت، بل نتيجة مباشرة لانهيار تنموي شامل ضرب أسس الاقتصاد. فمع انكماش الناتج المحلي بأكثر من 83% في عام واحد وتراجع إضافي لاحق، خرجت معظم القطاعات الإنتاجية من الخدمة، ما أفقد السوق قدرته على توليد الدخل والسيولة.
ويتابع مع بطالة تقارب 80% واعتماد الغالبية الساحقة من السكان على المساعدات، أصبحت الرواتب الحكومية، رغم انتظامها الجزئي، آخر مصادر النقد داخل الاقتصاد المحلي.
منوهًا أن هذا الواقع حوّل أزمة الرواتب إلى مؤشر على "خراب تنموي"، حيث فقد الاقتصاد نحو 70% من طاقته التشغيلية وتراجع نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات تعود لعقود مضت، ما يعني أن أي تأخير أو نقص في صرف الرواتب لا ينعكس على الموظفين فقط، بل يضاعف الركود، ويشل حركة الأسواق، ويعمّق فجوة التعافي في بيئة تفتقر أصلًا لرأس المال والسيولة وإعادة الإعمار.
