أكد الخبير القانوني صلاح عبد العاطي أن ما جرى من تحويل مبلغ 258 مليون شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية لصالح عائلات "إسرائيلية" يُعد قرصنة مالية منظمة واستخدامًا أحاديًا لأموال الشعب الفلسطيني، بما ينتهك قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وأوضح عبد العاطي في تصريح لـ"شهاب" أن هذا الإجراء "الإسرائيلي" يمكن تحليله وفق عدة أبعاد قانونية وسياسية واقتصادية، مشيرًا إلى أنه يعكس محاولة "إسرائيل" شرعنة جريمة سرقة أموال المقاصة الفلسطينية عبر الاستناد إلى أحكام قضائية محلية تفرض دفع تعويضات لعائلات مدنية أو قتلى في عمليات نفذها فلسطينيون، فيما لا يوجد أي قانون أو قضاء في العالم، عدا القانون والقضاء "الإسرائيلي"، يسمح بارتكاب مثل هذه الجرائم بحق شعب واقع تحت الاحتلال، بما في ذلك اقتطاع أموال السلطة الفلسطينية التي تُعد الجهة الإدارية المسؤولة عن المقاصة.
ولفت الخبير إلى أن هذا الاستخدام المعيب يظهر تجاوزًا لمفهوم المسؤولية الفردية مقابل العقوبات الجماعية، حيث تفرض "إسرائيل" العقوبة على أموال عامة تخص السكان المدنيين وليس على الأفراد المنفذين فقط.
وأضاف أن أموال المقاصة ملك للشعب الفلسطيني، وأن استخدام هذه الأموال بدون موافقة السلطة يمثل استيلاءً غير مشروع على أموال مدنية، مشيرًا إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تمنع العقوبات الجماعية، ويُعد تحويل الأموال الفلسطينية لتعويض المدنيين "الإسرائيليين" انتهاكًا صريحًا لهذه القاعدة.
وأكد أن هذا الإجراء يندرج ضمن الإجراءات العقابية الاقتصادية الممنوعة، ويشكل حالة واضحة من استخدام الموارد المالية كسلاح للضغط والسيطرة السياسية، مشيرًا إلى أن مبدأ حسن النية في الاتفاقيات الاقتصادية، وخصوصًا بروتوكول باريس، يُلزم "إسرائيل" بتحويل الأموال فقط للأغراض المخصصة ضمن السلطة الفلسطينية وليس كأداة عقاب أو ابتزاز.
وأشار عبد العاطي إلى أن الاقتطاع والتحويل يمكن تصنيفه على أنه قرصنة مالية أو نهب متعمد لموارد مدنية، وهو جريمة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك انتهاك حق الملكية الجماعية للشعب الفلسطيني، وجريمة عقابية جماعية نظرًا لتأثيرها على رواتب الموظفين والخدمات الأساسية، واستغلال أموال تحت الاحتلال بطرق تمس حق السكان في إدارة مواردهم الداخلية، ما يمكن أن يُدرج ضمن جرائم الحرب الاقتصادية.
وعن التداعيات على الوضع المالي والسياسي للسلطة الفلسطينية، قال عبد العاطي إن هذا الاقتطاع يؤدي إلى إضعاف السيولة النقدية التي تشكل غالبية الإيرادات الشهرية للسلطة، مما يؤدي مباشرة إلى تأخر صرف الرواتب والخدمات الأساسية.
كما يقلل تحويل مبلغ بهذا الحجم قدرة السلطة على تنفيذ برامجها التشغيلية والخدمية، بما في ذلك الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، وقد يضطر لملء العجز إلى الاقتراض داخليًا أو من المؤسسات المالية، مما يزيد الضغط على الاقتصاد.
وأكد عبد العاطي أن تحويل الأموال يعزز صورة إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال تستخدم الموارد المالية الفلسطينية كأداة ضغط عقابي، وهو انتهاك واضح لحقوق الملكية وحقوق السكان المدنيين وفق اتفاقية جنيف الرابعة.
وأوضح أن السلطة الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان يمكنها رفع دعاوى أو شكاوى إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان لتوثيق الانتهاك وتسليط الضوء على خرق التزامات الاحتلال، أو اللجوء إلى المحاكم الدولية وآليات التحكيم المتعلقة باتفاقيات باريس لضمان إعادة الأموال ومساءلة الاحتلال.
وأكد أن الهدف من ذلك هو التأكيد على أن هذا الاقتطاع يُمثّل سلبًا غير مشروع للأموال المدنية ويجب اعتباره جريمة دولية قابلة للمساءلة.
واختتم عبد العاطي تحليله بالقول إن تحويل أموال المقاصة الفلسطينية لصالح عائلات إسرائيلية يمثل اقتحامًا ممنهجًا لحق الفلسطينيين في مواردهم، ويشكل جريمة مالية دولية وعقوبة جماعية محظورة، مشيرًا إلى أن القانون الدولي يمنح الفلسطينيين أدوات للاعتراض والمساءلة، بدءًا من التقارير الحقوقية، مرورًا بالشكاوى الأممية، ووصولًا إلى إجراءات التحكيم الدولية.
وأكد أن هذه الممارسة تكشف كيف تُوظف إسرائيل المقاصة كأداة ابتزاز سياسي واقتصادي، ويجب مواجهتها قانونيًا للحفاظ على الحقوق الوطنية والاقتصادية للشعب الفلسطيني.
