تقرير خوف مستمر وصمود يومي.. حياة الفلسطينيين تحت وطأة الاقتحامات الليلية للجنود والمستوطنين

تقرير/ شهاب

لم يعد الليل ملاذًا للراحة والأمان، بل تحول إلى ساعة ترقب وخوف دائم لعائلات فلسطينية تواجه يوميًا موجة من الاقتحامات والاعتقالات الليلية من جنود الاحتلال والمستوطنين، مما يقوض شعورهم بالأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي.

في قرية فرعتا – شرق قلقيلية، لا يسكن الليل ولا يجلب طمأنينته للمواطن حجازي يامين وعائلته؛ فمنزله القابع في خط المواجهة الأول بات هدفًا مُستباحًا لهجمات المستوطنين التي يصفها بأنها "غادرة وتستغل هدوء الليل وسكون المنازل".

فعلى بُعد كيلومتر واحد من منزله، تبرز بؤرة استيطانية رعوية أقامها المستوطنون في الآونة الأخيرة، بدأت بخيام وأغنام وكلاب حراسة، وتحولت إلى مصدر ترهيب للنساء والأطفال؛ فمنها ينطلق المستوطنون في اعتداءاتٍ ممنهجة تحت جنح الظلام، مستهدفين أطرافَ القرية في محاولةٍ لفرض واقعٍ جغرافي جديد من الاستيطان وهيمنة المستوطنين.

إرهاب ليلي ممنهج

ومع اشتداد وتيرة الاعتداءات الليلية التي تطال الأرواح والممتلكات، بين إحراق المنازل وتخريب الأراضي وقتل المواشي، يجد الأطفال أنفسهم في مواجهة يومية مع "إرهاب ليلي" ممنهج، بحمايةٍ مباشرة من قوات الاحتلال أو بتواطئها.

وبحسب مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي في الضفة الغربية، فقد تحوّلت الاقتحامات الليلية لجنود الاحتلال إلى جزء من الحياة اليومية التي تعيد تشكيل أنماط النوم والعمل والعلاقات الاجتماعية، وتترك آثارًا نفسية، اقتصادية، واجتماعية عميقة تتجاوز لحظة المداهمة نفسها.

ويوضح المركز أنه ومن خلال مقابلات وزيارات ميدانية أُجريت مع نساء في الضفة الغربية، بما فيها القدس، إضافة إلى قطاع غزة، تم توثيق أثر الاقتحامات المنزلية والانتهاكات الإسرائيلية الأخرى بحق النساء وأطفالهن، استنادًا إلى إفادات وشهادات ميدانية مباشرة.

رُصد تصاعد ملحوظ في وتيرة الاقتحامات المنزلية، سواء ليلاً أو نهارًا، مع زيادة لافتة في الاقتحامات الليلية تحديدًا، في مختلف مناطق الضفة الغربية دون استثناء، وتحديدًا بعد السابع من أكتوبر، حيث ظهرت أنماط متعددة وأكثر حدة من هذه الانتهاكات.

عادةً ما تتم الاقتحامات بعد الساعة الثانية فجراً، بمشاركة ما بين 30 إلى 40 جنديًا يداهمون المنازل، وتكون مصحوبة بكلاب مدرّبة تُطلق داخل البيوت على النساء والأطفال وسائر الموجودين، دون مراعاة العمر أو المرض أو أي اعتبارات إنسانية.

وتتضمن هذه العمليات أنماطًا متعددة من العنف، تشمل الضرب لجميع أفراد الأسرة، وخلع الملابس، والتفتيش القسري، إضافة إلى توثيق حالات اعتداءات جنسية.

آثارًا نفسية عميقة

كما سُجلت سرقات ونهب لممتلكات النساء، من الذهب والنقود الموجودة داخل المنازل، إلى جانب خلع الأبواب وتكسير الأثاث بشكل متعمد بقصد التدمير لا التفتيش، بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالعائلة. كذلك وُثقت حالات إتلاف وخلط للمواد الغذائية، إلى جانب الاعتداء الجسدي.

وأفادت غالبية العائلات الفلسطينية بأنهم باتوا يعيشون حالة مستمرة من القلق أثناء الليل، ويتجنبون إغلاق الأبواب خشية أن تُهدَّم أثناء الاقتحامات الليلية، إذ غالبًا ما تُدمّر قوات الاحتلال الأبواب عند دخولها، ما يفرض عليهم تكاليف مستمرة لاستبدالها. وفي حالات أخرى، اضطر بعضهم إلى ترك الأبواب مفتوحة لتسهيل دخول الجنود، ما يعكس حجم الرعب الذي يعيشه الأطفال والبالغون على حد سواء.

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أن العنف المستمر من قبل المستوطنين والجيش الإسرائيلي يترك آثارًا نفسية عميقة على الفلسطينيين في الضفة الغربية، خاصة الأطفال.

وأشارت المنظمة في تقرير لها  إلى أن الخوف الدائم من العدوان والاعتداءات يؤثر بشكل هائل على الصحة النفسية للسكان، خصوصًا في المناطق الريفية مثل مسافر يطا جنوب مدينة الخليل، حيث تتكرر عمليات الهدم والاعتداءات شبه اليومية على المنازل والمزارعين.

وأكدت المنظمة أن الأطفال في هذه المناطق يعانون من آثار نفسية مبكرة وواضحة نتيجة التعرض المستمر للعنف والترهيب من قوات الاحتلال الإسرائيلية فى أوقات مختلفة ، منوهة ان الآثار تشمل الكوابيس، نوبات الهلع، اضطرابات النوم، صعوبة التركيز في المدرسة، وخوف دائم من الخروج من المنزل.

وتضيف المنظمة أن الضغط النفسي المستمر على الأطفال لا يقتصر على الهجمات المباشرة، بل يمتد إلى الخوف المزمن من فقدان الأهل أو تدمير المنازل والممتلكات، ما يزيد من شعورهم بعدم الأمان والعزلة.

من جانبها، تكشف كفاية خريم، منسقة المناصرة الدولية في مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، عن واقع يومي تعيشه العائلات الفلسطينية تحت وطأة الخوف الدائم، حيث لم يعد الليل وقتًا للراحة، بل مساحة مفتوحة للترقب والقلق.

توضح خريم أن الأسر الفلسطينية طوّرت أساليب احترازية للتكيّف مع هذا النمط المتكرر من المداهمات. فالكثير من العائلات تنام بملابس كاملة تحسبًا لأي اقتحام مفاجئ، وتُبقي ملابس وأغراضًا أساسية في متناول اليد، خصوصًا لمن سبق أن تعرضوا للاعتقال بسبب نشاطهم الإنساني أو الصحفي أو القانوني.

وتضيف: في بعض المنازل، يتناوب أفراد الأسرة على السهر لمراقبة أي حركة غير اعتيادية، في ظل تكرار الاقتحامات من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.

تحديات جسيمة

وتؤكد أن اضطراب النوم الناتج عن هذه الممارسات ينعكس مباشرة على قدرة الأفراد على ممارسة حياتهم الطبيعية، فالإرهاق النفسي والجسدي يمنع كثيرين من التوجه إلى أعمالهم أو مدارسهم في اليوم التالي، فيما يحاول آخرون التظاهر بالتماسك ومواصلة يومهم رغم الأثر النفسي العميق.

وتشير خريم إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر في مواجهة هذه الانتهاكات. ففي حالات الاعتقال أو الاستشهاد أو تدمير المنازل، تتحول المرأة إلى الركيزة الأساسية للأسرة، تتولى توفير الاحتياجات المعيشية والدعم النفسي للأطفال وكبار السن، وتحاول الحفاظ على تماسك الأسرة وسط حالة من الرعب المستمر.

كما تواجه الأمهات تحديات جسيمة في تهدئة أطفالهن بعد كل اقتحام، في ظل عجزهن عن ضمان عدم تكرار التجربة في أي ليلة لاحقة.

وتلفت إلى أن الاقتحامات لا تقتصر آثارها على الجانب الفردي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي ككل، فالخوف من المداهمات والإغلاقات والحواجز العسكرية يقلل من مشاركة الأفراد في المناسبات الاجتماعية، ويحد من التنقل بين القرى والمدن، ما يؤدي إلى عزلة تدريجية وتفكك في الروابط المجتمعية. وفي بعض المناطق، تضطر عائلات إلى منع بناتها من مواصلة التعليم أو تزويجهن مبكرًا خشية المخاطر المرتبطة بالطريق أو بالاعتداءات المحتملة.

وتؤكد خريم أن كثيرًا من النساء يعانين من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بما في ذلك القلق الدائم والخوف من مغادرة المنزل، خاصة مع تعرض بعضهن لانتهاكات مهينة خلال الاقتحامات، مثل التفتيش القاسي أو التهديدات المباشرة. وتصف هذه الممارسات بأنها تترك أثرًا عميقًا ومستدامًا على شعور النساء بالأمان داخل بيوتهن.

وتوضح أن المجتمع المحلي يُظهر مستويات عالية من التضامن، سواء عبر دعم معنوي أو مادي، أو من خلال مبادرات لإعادة ترميم منازل متضررة وجمع تبرعات للعائلات المنكوبة، إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تعوض غياب دعم مؤسسي شامل ومستدام.

وتؤكد خريم أن استمرار هذا النمط من الاقتحامات يخلّف آثارًا بعيدة المدى على تنشئة الأطفال واستقرار الأجيال القادمة، إذ ينشأ الأطفال في بيئة يطغى عليها الخوف بدل الطمأنينة، ما يعيق نموهم النفسي والاجتماعي الطبيعي. كما يحدّ الرعب المستمر من فرص النساء التعليمية والاقتصادية، ويقيد مشاركتهن المجتمعية.

تدعو خريم المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي إلى تكثيف الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي لوقف هذه الممارسات، إلى جانب توفير دعم نفسي واقتصادي مباشر للعائلات المتضررة، بما يعزز قدرتها على الصمود. وتشدد على أن حماية المجتمعات الفلسطينية الأكثر عرضة لهذه الانتهاكات تمثل أولوية ملحة، ليس فقط لضمان استقرار الأسر، بل للحفاظ على تماسك المجتمع بأكمله.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة