تقرير الصدمة الجماعية في غزة تحصر الغزيين في دائرة القلق والتوتر مع تصاعد التوترات الإقليمية

تقرير/ شهاب

يعيش الغزيون حالة من القلق المستمر والترقب النفسي الحاد جراء العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وتصاعد الاشتباكات في كل بلد عربي توجد فيه قاعدة عسكرية أمريكية، إذ أعاد القصف المتواصل والأخبار العاجلة عبر القنوات العربية والدولية إلى أذهان الغزيين معاناة الحرب المريرة التي شهدها القطاع جراء الإبادة والقصف العشوائي والمجاعة.

ليس شعورًا عابرًا

يبدو أن الخوف ليس شعورًا عابرًا، بل استجابة نفسية متجذرة لتجربة عامين من الدمار والإبادة المستمرة، فكل صوت، وكل تحرك سياسي أو عسكري في المنطقة، يتحول إلى مؤشرات محتملة لتدهور الأوضاع الميدانية، وهو ما يجعل الغزيين يستبطنون توقعات كارثية رغم عدم وجود مؤشرات عامة على الأزمة، إلا أن تجربتهم القاسية تضعهم في سقف نفسي هش، يهيئهم لتوقع الأسوأ في كل لحظة.

يعيش فؤاد الجمال، 45 عامًا، أيامه في ترقب وقلق مستمر لما تحمله الأخبار من كوارث محتملة، حيث إن عامين من الإبادة والقصف المتواصل والتجويع تجعله غير قادر على فصل هذه التجربة القاسية عن توتر الأخبار اليومية منذ إعلان العدوان الأمريكي الإسرائيلي على غزة.

يقول: "منذ أن سمعت أن المعابر أُغلقت مجددًا بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لم أستطع النوم، واستعدت نفس شعور القلق المتواصل الذي عشته خلال الحرب على غزة. أصبحنا نخاف من أي صوت في السماء، حتى لو كان مجرد طائرة استطلاع بعيدة".

ويضيف: "عادت أسئلة الصغار المقلة صباحًا ومساءً: هل ستبدأ حرب جديدة؟ هل سنضطر إلى النزوح مرة أخرى؟ للأسف، لا أملك أي إجابة تطمئنهم. أنا شخصيًا لا أشعر بالأمان، فكيف أقنعهم بأننا في أمان؟"

ويتابع: "الخوف ليس من القصف وحده، بل إن شبح المجاعة بدأ يعود إلى الذاكرة، وعاد احتمال حدوثها متوقعًا. ففي اليوم الأول لتدهور الأخبار الإقليمية، لاحظ ارتفاعًا حادًا واختفاءً لبعض البضائع من الأسواق، ما أعاد للجميع كابوس عامين من الجوع والذل".

ويستدرك: "المجاعة والموت في سبيل تحصيل لقمة العيش كانا من أصعب الكوارث التي عاشتها غزة، وأخشى أن تتكرر هذه المعاناة مجددًا وسط الأخبار المتوارية عن إغلاق المطارات والمعابر وارتفاع الأسعار عالميًا".

في حين تعيش هبة العقاد قلقًا كبيرًا جراء إغلاق معبر رفح البري نتيجة توتر الأوضاع الأمنية في المنطقة، إذ إن إغلاق المعبر يعني تطورًا لمأساة طفلها الذي ينتظر فرصة علاج وإجلاء طبي منذ عدة أشهر، لكن إغلاق معبر رفح أمام المرضى والجرحى والحالات الإنسانية بعد أيام فقط على فتحه أعاده إلى نقطة الصفر.

وتوضح العقاد لـ"شهاب" أن عامل الوقت مهم جدًا في حالة طفلها المصاب بسرطان الدم، والذي لا يتلقى أي علاج يُذكر في غزة على الرغم من تشخيصه بالمرض منذ أربعة أشهر.

وتخشى العقاد أن تتطور الأوضاع الأمنية في المنطقة ولا يعود فتح معبر رفح مجددًا، منوهةً أن تجربة الإغلاق الماضية على مدار شهور طويلة تعد مؤشرًا واضحًا على تعامل الاحتلال مع قضية المعبر كمنفذ أساسي للمرضى والجرحى.

استغلال الذرائع 

في حين يقول كمال أبو عكر، 41 عامًا، إن تجربة أهل غزة خلال الإبادة وخلال العدوان السابق على إيران في حزيران 2025 تشير إلى أن الأوضاع الميدانية في غزة تميل إلى حدوث أزمة مجددًا، فمن المعروف أن الاحتلال يستخدم كل الذرائع من أجل قصف غزة وإبادة أهلها.

ويتابع: "منذ توقف إطلاق النار ونحن نعيش في هدنة هشة تشهد بشكل يومي اختراقات متنوعة، مما يعني أنه من غير المستبعد أن تستغل "إسرائيل" انشغال العالم في الحرب الإيرانية لتنفيذ مزيد من المجازر والانتهاكات والتضيقات على سكان غزة".

ويستطرد: "التجربة والمعطيات المتنوعة تجعلنا نعيش في قلق وخوف متواصل من تدهور الأوضاع، سيما وأن مقومات الصمود باتت منعدمة في ظل كارثية الوضع".

من جانبه، أوضح المحلل السياسي وسام عفيفة أن انشغال الإدارة الأميركية بإدارة صراع إقليمي أوسع سيؤدي على الأرجح إلى تراجع مستوى الضغط الممارس على حكومة بنيامين نتنياهو لاستكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

وأضاف أن النتيجة المتوقعة قد تتمثل في إبطاء تنفيذ الاتفاق، أو إعادة تفسير بعض بنوده بذريعة "الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب على الإقليم".

وأشار إلى أن حكومة الاحتلال قد تجد في التصعيد الإقليمي فرصة للمناورة والمراوحة السياسية، وتأجيل استحقاقات الانسحاب وإعادة الإعمار في غزة، بل وربما المضي قدمًا في خطط الضم والإحلال في الضفة الغربية والقدس، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بتطورات المواجهة الأوسع.

وحذر عفيفة من أخطر السيناريوهات، والمتمثل في ربط المسار الإيراني بالمسار الفلسطيني، وتحويل غزة إلى ورقة ضغط ضمن مسارات التفاوض غير المباشر، بما يضع القطاع في قلب تجاذبات إقليمية قد تتجاوز أولوياته الإنسانية والسياسية المباشرة.

من جهتها، تقول الاختصاصية النفسية الدكتورة ختام أبو عودة إن ما يحدث حاليًا في المنطقة يترك آثارًا نفسية واضحة على سكان قطاع غزة، مشيرة إلى أن حالة البلبلة المستمرة وإغلاق المعابر بسبب التوترات الإقليمية تعمل على إعادة تنشيط الصدمات النفسية السابقة لدى السكان، خصوصًا أولئك الذين فقدوا أقاربهم أو منازلهم في العدوان السابق على القطاع.

وتوضح أبو عودة أن مجرد سماع كلمات مثل "قصف" أو "حرب" كفيل بإعادة مشاعر الرعب والعجز، مشددة على أن هذه الكلمات تُطلق سلسلة من الاستجابات العاطفية والجسدية التلقائية، تتراوح بين الأرق المزمن والتوتر المستمر ونوبات الهلع المفاجئة، وصولًا إلى شعور دائم بأن الخطر يحيط بالشخص في كل لحظة.

صدمة جماعية 

وتضيف أن الكثير من الناس يعيشون في حالة ترقب دائم وكأن الحرب قد تندلع مجددًا في أي لحظة، وهو ما يزيد من معدلات القلق ويضعف القدرة على التركيز ويؤثر سلبًا على الأداء اليومي والعلاقات الاجتماعية. وتصف السيد هذه الحالة بأنها حلقة مفرغة، حيث أن الأحداث الجديدة تعيد إحياء الصدمات القديمة، مما يجعل السكان أكثر عرضة للاضطرابات النفسية على المدى الطويل.

وتشير أبو عودة إلى أن سكان قطاع غزة يعيشون صدمة جماعية متراكمة نتيجة ما مروا به خلال سنوات الحصار الطويلة، والحروب المتكررة، والمجاعة، وفقدان العديد منهم منازلهم وأقاربهم. هذه التجارب الصادمة تترك أثرها العميق على الذاكرة الجمعية للمجتمع، بحيث تصبح أي أزمة جديدة – حتى لو كانت محدودة نسبيًا – قادرة على إعادة تشغيل مشاعر الخوف واليأس على نطاق واسع.

وتضيف أن هذه الصدمة الجماعية تجعل السكان أكثر هشاشة تجاه التوترات الحالية، إذ يشعرون بأن أي توتر إقليمي أو تهديد أمني قد يجرهم مرة أخرى إلى دوامة العنف والمعاناة التي عايشوها سابقًا، ما يفاقم القلق ويزيد من حالات الأرق والتوتر ونوبات الهلع بين جميع الفئات العمرية.

من الناحية الدلالية، تشير الاختصاصية إلى أن هذه الأعراض النفسية الجماعية ليست مجرد ردود فعل فردية، بل تعكس الأثر العميق والمستمر للحروب المتكررة على المجتمع الغزي، حيث يصبح القلق والخوف جزءًا من الحياة اليومية، ويصعب على الأفراد الانفكاك عن حالة الاستنفار النفسي حتى في فترات الهدوء النسبي.

و تؤكد أن دعم الصحة النفسية وتوفير بيئة مستقرة وآمنة يمثلان ضرورة قصوى لتقليل هذه الأضرار، خصوصًا للأطفال والنساء وكبار السن الذين يعانون بشكل أكبر من تداعيات الصدمات السابقة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة