تعرضت أسواق الغاز العالمية يوم الاثنين الماضي لصدمة كبيرة وغير مسبوقة، مع فقدان نحو خُمس معروض الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم دفعة واحدة، نتيجة استهداف منشآت إنتاج رئيسية.
أعلنت شركة قطر للطاقة، في بيان رسمي نشر على موقعها الإلكتروني، عن وقف كامل لإنتاج الغاز المسال ومنتجاته، بعد استهداف إيران مجمع الغاز الطبيعي المسال الأكبر في العالم بمدينة "رأس لفان"، إضافة إلى تعرض مدينة مسيعيد الصناعية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ.
وتضاعفت الأزمة مع شلل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز بعد إغلاقه من قبل طهران، ما يعني أن المخزون الجاهز لا يمكن تصديره بسهولة، وسط تعليق الإمدادات لدول كبرى مثل الصين، والهند، واليابان، وعدد من الدول الأوروبية.
وتشير بيانات وكالة بلومبيرغ إلى أن الصين تستحوذ على نحو 24% من إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري، بينما تمثل الهند وباكستان وبنغلادش معًا 28% إضافية.
وقد فاجأ الخبر الأسواق والدول المستوردة، إذ إن التوقعات كانت ترتبط أساسًا بتصاعد الحرب الإيرانية الأميركية وأزمة النفط، دون توقع استهداف منشآت الغاز القطرية.
فور الإعلان عن الخبر، شهدت الأسواق تحركات عنيفة، حيث ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 50% خلال يوم واحد، لتتجاوز 46 يورو لكل ميغاوات/ساعة، قبل أن تهبط إلى 39 يورو ليلاً. وتشهد القارة أزمة في مخزونات الغاز التي تقدر حاليًا بأقل من 30%.
وتؤكد التحليلات أن استمرار توقف الإنتاج القطري لأسابيع قد يدفع الأسعار إلى مستويات بين 80 و100 يورو لكل ميغاوات/ساعة، ما أدى إلى سباق بين المشترين في آسيا وأوروبا للحصول على الشحنات المتاحة من موردي الغاز البدلاء مثل الولايات المتحدة وأستراليا.
ورغم أن صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال ارتفعت بنسبة أكثر من 17% الشهر الماضي مقارنة بالعام الماضي وفق بيانات بورصات لندن، إلا أن هذه الزيادة لا تكفي لسد النقص الناتج عن توقف الإنتاج القطري، خاصة مع اختلاف سوق التوريد الأميركي عن القطري ومسارات الشحن إلى الدول، حيث تصدر الولايات المتحدة نحو 77% من مبيعات الغاز إلى أوروبا، بينما يتركز الغاز القطري بشكل أساسي في آسيا.
وأكد ريتشار برات من شركة بريسيجن إل إن جي كونسلتينغ لوكالة "بلومبيرغ" أن سلاسل توريد الغاز الطبيعي المسال محدودة المرونة، وأن أي توقف مفاجئ في الإنتاج سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع حاد في الأسعار، خاصة مع محدودية قدرات التخزين مقارنة بالنفط.
و شهدت تكلفة استئجار ناقلات الغاز الطبيعي المسال في المحيط الأطلسي ارتفاعًا حادًا، إذ تجاوزت 200 ألف دولار يوميًا، أي ضعف السعر الذي كان يُطلب قبل يوم واحد فقط، وفق بيانات شركة الشحن سبارك كوموديتيز، بعد أن كانت آخر أسعار ناقلة واحدة حوالي 61.500 دولار.
وأكدت شركات التأمين البحري الكبرى أنها ستوقف تغطية مخاطر الحرب للسفن الداخلة إلى الخليج العربي، وهو ما قد يعيق عمليات التحميل في المنطقة.
كما رفع بنك غولدمان ساكس توقعاته لسعر الغاز على مؤشر (تي.تي.إف) الهولندي للربع الثاني من العام الحالي إلى 45 يورو لكل ميغاوات/ساعة، مقابل 36 يورو في التوقعات السابقة، بسبب توقف إنتاج قطر.
وتشير تحليلات صحيفة الغارديان إلى أن ارتفاع سعر النفط الحالي لا يشكل صدمة كبيرة مقارنة بمراحل سابقة، لكن ما يحدث في سوق الغاز قد يغيّر موازين السوق إذا استمر لفترة طويلة، خصوصًا وأن الغاز القطري لا يمكن نقله عبر خطوط أنابيب مثل النفط السعودي، ويجب أن يمر عبر مضيق هرمز، حيث توقفت الملاحة.
وأوضح تشارلز كوستروس، كبير محللي الغاز الطبيعي المسال في شركة كيبلر، أن المنشأتين القطريتين الهجوم عليهما كانتا تمتلكان مخزونًا يكفي لتغطية التصدير لثلاثة إلى أربعة أيام فقط، مشيرًا إلى أن توقف الإنتاج أسبوعيًا سيؤدي إلى خسارة نحو 1.6 إلى 1.8 مليون طن من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وفي منشور على موقع لينكد إن، أكدت ديت جول يورجنسن، مسؤولة الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وجود "تقلبات" في الأسواق العالمية نتيجة اضطرابات الإمداد، لكنها شددت على أن "لا خطر على الإمدادات" بفضل جهود التنويع التي تبذلها أوروبا منذ غزو روسيا لأوكرانيا، رغم أن المخاوف الأساسية تتركز على سعي أوروبا لتأمين مصادر بديلة للغاز الطبيعي المسال، وكان يُنظر إلى قطر كمصدر موثوق قبل تزايد الشكوك الأوروبية تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة.
