استهداف القيادة الإيرانية.. بين رهانات "الإسقاط" واحتمالات إعادة رسم التوازنات بالمنطقة

استهداف القيادة الإيرانية.. بين رهانات "الإسقاط" واحتمالات إعادة رسم التوازنات بالمنطقة

تقرير _ شهاب 

تتسارع التطورات في الشرق الأوسط على وقع المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد يتجاوز حدود جولة عسكرية عابرة ليقترب من منعطف استراتيجي قد يعيد رسم موازين القوى في الإقليم. 

ويجمع عدد من المحللين على أن استهداف القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، نقل الصراع إلى مستوى غير مسبوق، وفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الإيراني وطبيعة المرحلة المقبلة.

 

خلط الأوراق الإقليمية 

المختص في الشأن الإيراني محمود حدود، رأى أن امتصاص طهران للضربة الأولى، التي بدأت باغتيال المرشد، أعاد خلط الأوراق الإقليمية، وأسقط فرضيات كانت تُتداول قبل الحرب بشأن احتمالية انهيار سريع للنظام. 

وأشار حدود، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إلى أن غياب تصعيد أمريكي"إسرائيلي" نوعي بعد الضربة الأولى يطرح تساؤلات حول الخيارات المتبقية لدى واشنطن و"تل أبيب"، سواء سياسياً أو عسكرياً.

ويستشهد حدود بمواقف شخصيات بارزة داخل المؤسسة الإيرانية، من بينها علي لاريجاني، الذي أبدى رفضاً للعودة إلى المفاوضات رغم الحديث عن مبادرات وساطة، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً إيرانياً نحو تثبيت معادلة ردع جديدة بدلاً من العودة إلى طاولة التفاوض بالشروط السابقة.

كما لا يستبعد حدود أن تفضي الحرب إلى صعود شخصيات محسوبة على التيار المتشدد أو البراغماتي داخل إيران، بما يعني – وفق تقديره – مزيداً من تجذير التجربة الإيرانية بدلاً من إضعافها.

وفي المقابل، رأى حدود أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه مأزقًا حقيقيًا، ليس فقط بسبب دخوله حربًا كان قد تعهد بتجنبها، بل لأن الحرب الجارية تفتقر إلى مبرر أمريكي واضح، وتبدو بلا أفق سياسي محدد، ما قد ينعكس على صورته كرجل صفقات وحلول سريعة. 

وشدد حدود بالقول إن المنطقة قد تكون أمام سيناريو صراع طويل الأمد، قد يمتد لسنوات وربما عقود، مشيرًا إلى احتمال تحوّل المواجهة الحالية إلى محطة ضمن مسار أوسع يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط بصورة مغايرة للتصورات "الإسرائيلية".

 

تحوّل استراتيجي 

من جانبه، يعتبر الكاتب السياسي اللبناني عماد خشمان أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث انتقل الصراع من إطار الردع المتبادل إلى مستوى يمسّ بنية القيادة في إيران نفسها. 

ويرى خشمان، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن استهداف المرشد الأعلى لا يحمل دلالة رمزية فحسب، بل يمثل محاولة لكسر مركز القرار الذي يربط بين مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الدينية والحرس الثوري.

وبحسب قراءته، فإن طبيعة الأهداف الأمريكية "الإسرائيلية" تشير إلى تجاوز سياسة "التحجيم" نحو محاولة إحداث اختراق في بنية النظام، تمهيداً لإضعافه وربما إسقاطه. 

لكنه يحذر في المقابل من أن الأنظمة العقائدية تميل تاريخياً إلى التماسك في أوقات الحرب، لا سيما عندما يتحول القائد المستهدف إلى رمز تعبوي.

ويرجّح خشمان ثلاثة مسارات محتملة تتمثل بحرب إقليمية واسعة قد تمتد إلى الخليج وشرق المتوسط، أو حرب استنزاف طويلة بضربات متبادلة دون انفجار شامل، أو احتواء دولي للأزمة إذا ارتفعت كلفة التصعيد على أسواق الطاقة والملاحة العالمية.

 

 مأزق واشنطن

أما المحلل العسكري الأميركي جيسون إتش. كامبل، فيستبعد قدرة إدارة الرئيس دونالد ترامب على تحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني في الظروف الراهنة. 

ويشير إلى أن الضربات الجوية، رغم قدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية، نادراً ما نجحت وحدها في إحداث تغيير جذري في الأنظمة السياسية، خصوصاً في بلد بحجم إيران يناهز عدد سكانه 90 مليون نسمة.

ويعتبر كامبل أن استهداف القيادة العليا يختلف جذرياً عن إسقاط النظام برمته، محذراً من أن غياب رؤية واضحة لليوم التالي قد يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار. 

كما يلفت إلى أن دعوات ترامب العلنية للشعب الإيراني لتولي زمام الحكم تعكس توجهاً نحو استهداف "رأس النظام"، لكن من دون مؤشرات على وجود خطة شاملة لإدارة مرحلة انتقالية محتملة.

وفي ما يتعلق بإمكانية العودة إلى مسار تفاوضي، يرى كامبل أن أي اتفاق محتمل قد يكون أكثر مرونة تجاه واشنطن، لكنه لن يصل – على الأرجح – إلى حد إنهاء وجود النظام، الذي يصفه بأنه متجذر في البنية السياسية والاجتماعية الإيرانية.

في المحصلة، تتقاطع التحليلات الثلاثة عند نقطة مركزية، وهي استهداف القيادة الإيرانية شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار النظام أو حسم المواجهة سريعاً. 

فبين رهانات إسقاط النظام، واحتمالات التماسك الداخلي، وسيناريوهات الحرب الطويلة أو الاحتواء الدولي، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة معقدة عنوانها إعادة تعريف موازين القوة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة