تزداد ضربات حزب الله اللبناني ضراوةً كلما طال أمد المعركة مع إيران، في سياق حرب إقليمية متعددة المستويات تتداخل فيها حسابات الردع، وإعادة التموضع، وتعظيم الكلفة على الخصوم، حيث يواصل الحزب ترميم قدراته بعد الضربات التي تلقاها من الاحتلال "الإسرائيلي" على مدار عامٍ ونيف، وقد وجد الحزب في الانضمام إلى المعركة مع إيران مخرجًا استراتيجيًا من الاتفاق الموقع نهاية العام 2024، والذي ينص على تفكيكه وتجريده من سلاحه، غير أن هذا الانخراط لا يمكن فهمه كخيار اضطراري، بل كجزء من إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى استعادة الفاعلية ضمن بيئة صراع متغيرة.
كما استثمر الحزب الحرب كفرصة للرد على خروقات الاتفاق من قبل الاحتلال، ما يجعل هذا القرار من القرارات المصيرية الناجعة حتى الآن في مسيرته، حيث يسير الحزب باستراتيجية تقوم على إدارة التوازن بين الامتثال الشكلي للاتفاق والحفاظ الفعلي على عناصر القوة الصلبة، من خلال تسليم ما يمكن تسليمه دون التفريط بالإمكانات القتالية التي يمكن توظيفها ميدانيًا، وقد ظهر ذلك بوضوح في الفيديوهات الإعلامية التابعة للإعلام الحربي للحزب خلال عمليات إطلاق رشقات الصواريخ، حيث لوحظ استخدام آليات عسكرية مموهة حاملة لراجمات صاروخية ثابتة نسبيًا، وهنا يوظف الحزب ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ (التمويه العملياتي) كأداة لزيادة بقاء المنظومات القتالية وتقليل قابلية استهدافها.
كما تعامل ميدانيًا مع هذه المنظومات بطريقة تضمن توجيه الرشقات بدقة نحو أهدافها داخل الأراضي المحتلة، ويمكن قراءة هذا السلوك ضمن إطار (إدارة الموارد القتالية المحدودة)، حيث يتم تعظيم الأثر العملياتي بأدوات محدودة نسبيًا. وفي البعد الإعلامي، يوظف الحزب نشر عملياته العسكرية بفيديوهات موثقة ضمن عمليات الحرب النفسية، التي تهدف إلى زعزعة معنويات المقاتلين "الإسرائيليين" والتأثير على الجبهة الداخلية، وهو ما يندرج ضمن ما يُعرف بحروب الإدراك، حيث لا يكون الهدف تدمير القدرات فقط، بل التأثير على الإدراك والقرار لدى الخصم، غير أن الأهم يتمثل في المسار الاستراتيجي العام للحزب خلال معركة إسناد قطاع غزة، حيث أقدم على توقيع اتفاق وصفه كثيرون بأنه مهين، إلا أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أنه كان جزءًا من تكتيك مرحلي ضمن رؤية بعيدة المدى لإعادة بناء القوة.
وقد أفضى هذا التقدير الاستراتيجي إلى اعتماد تكتيكات أكثر مرونة خلال المعركة الحالية، التي يمكن توصيفها بأنها معركة تكتيكية ذات أهداف استراتيجية، فالعلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك هنا علاقة عضوية، حيث ينتج التكتيك الفعال عن وضوح الرؤية الاستراتيجية وليس العكس. لذلك، لا يمكن الاستهانة بقوة الحزب المتراكمة على مدار عقود، رغم الضربات التي تلقاها خلال عام 2024، حيث إن فقدانه لبعض القيادات والرموز مثل حسن نصر الله وهاشم صفي الدين وفؤاد شكر، لم يؤدِّ إلى انهياره، بل يمكن تفسير ذلك ضمن إطار سلوك الفاعلين من غير الدول، حيث تتحول الضربات القيادية إلى محفزات لإعادة إنتاج القيادة وتعزيز التماسك التنظيمي.
وكما هو معروف في أدبيات الحركات المسلحة، فإن الاغتيالات قد تتحول من عامل إضعاف إلى عامل تعبئة، إذ تولد ديناميكيات ثأرية تعزز الدافعية القتالية وتسد الفجوات التنظيمية، بل وقد تساهم في تحويل النجاحات التكتيكية للخصم إلى إخفاقات استراتيجية على المدى البعيد، كما لا يمكن إغفال القدرة التدميرية لصواريخ الحزب، حيث نشرت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" العديد من المقاطع التي توضح آثار الاستهدافات، والتي تعكس حجم الدمار الناتج عنها.
وقد أعلنت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" عن استهداف الحزب لأحد المباني التي كان يقيم فيها وزير الحرب "الإسرائيلي" يسرائيل كاتس، وهو ما يشير إلى مستوى متقدم من الدقة الاستخباراتية والقدرة على اختراق العمق الحيوي للخصم، ويمكن تفسير هذا التطور ضمن مفهوم (الردع غير المتماثل)، حيث يسعى الفاعل الأضعف نسبيًا إلى تعويض فجوة القوة عبر استهداف نقاط حساسة ذات قيمة عالية، كما أن هذا النمط من العمليات يعكس تحولًا من الاستهداف الكمي إلى الاستهداف النوعي، بما يرفع الكلفة السياسية والنفسية على صانع القرار "الإسرائيلي".
في المقابل، برز دعم معنوي من المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، حيث نشر الناطق باسم كتائب القسام "أبو عبيدة" رسالة دعم للحزب، داعيًا إلى أسر جنود "إسرائيليين" وتنفيذ صفقات تبادل، ويعكس هذا التنسيق مستوى من التكامل بين ساحات محور المقاومة، رغم التباينات الجغرافية والضغوط العملياتية، وهو ما يندرج ضمن مفهوم (تعدد الجبهات المترابطة) في الحروب الإقليمية.
كما يظهر هذا الموقف اهتمام المقاومة في غزة بملف الأسرى، خاصة في ظل مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وعدم قدرتها على الانخراط المباشر في المعركة في الوقت الراهن، نتيجة الحاجة إلى إعادة بناء القدرات العسكرية بعد حرب استنزافية طويلة امتدت قرابة عامين (7 أكتوبر 2023 – 10 أكتوبر 2025).
الخلاصة:
يمكن فهم سلوك حزب الله في هذه الحرب من خلال تطبيق عدة أطر نظرية، أبرزها الردع غير المتماثل ونظرية الفاعلين من غير الدول. ففي الحالة الأولى، يعمل الحزب على تعويض الفجوة في موازين القوة عبر استهدافات نوعية ذات أثر استراتيجي، بما يعزز قدرته على فرض معادلات ردع جديدة، أما في الحالة الثانية، فإنه يظهر قدرة عالية على التكيف التنظيمي وإعادة إنتاج القوة رغم الضربات، وهو سلوك نمطي للتنظيمات اللادولانية في بيئات الصراع الممتد.
وعليه، فإن ما يجري لا يمكن قراءته كتصعيد ميداني محدود، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي، حيث تتداخل الأدوات العسكرية، والإعلامية، والنفسية في إطار صراع طويل الأمد مفتوح على احتمالات متعددة.
