تقرير كل دقيقة قد تكون فاصلة بين الحفاظ على قطعة أثرية تاريخية أو فقدانها نهائيًا.. فما القصة؟

تقرير / شهاب

في مشهد يعكس سباقًا مع الزمن، ينكبّ متطوعون بشكل يومي منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة في قلب مبنى مقصوف في البلدة القديمة بمدينة غزة في مهمة شاقة، تتمثل في انتشال ما تبقى من كتب ومخطوطات من مكتبة المسجد العمري الكبير، التي لحقت بها أضرار جسيمة جراء الحرب.

ويقع المسجد العمري الكبير في قلب مدينة غزة القديمة بالقرب من سوق "فراس" القديم، ويُعد واحدًا من أقدم المساجد في المدينة، وتضم مكتبته، التي تأسست قبل أكثر من سبعة قرون، نحو 20 ألف كتاب، ما جعلها ثالث أكبر مكتبة في فلسطين، بمساحة تبلغ 4100 متر مربع، إضافة إلى فناء مساحته 1190 مترًا مربعًا.

وتحتوي المكتبة على مخطوطات تتنوع بين المصنفات الكبيرة والرسائل الصغيرة، ويعود أقدمها إلى سنة 920 هجريًا، ومن أبرز ما كانت تحتويه مخطوطة "شرح الغوامض في علم الفرائض" لبدر الدين المرديني، والتي يبلغ عمرها نحو 500 عام، حسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

وكان المسجد العمري قد تعرض لقصف إسرائيلي في الثامن من ديسمبر 2023 خلال الحرب على قطاع غزة، ما أدى إلى أضرار كبيرة في مبانيه التاريخية، بما في ذلك المكتبة العريقة التي تضم مخطوطات وأمهات الكتب.

ووفقًا لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد استهدفت العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو 208 مواقع أثرية وتاريخية في القطاع منذ بداية حرب الإبادة.

وسط الركام والغبار وبقايا الرفوف المحترقة، يتحرك المتطوعون بحذر شديد، يقلبون الأحجار ويزيلون الأتربة بحثًا عن أي أثر لمجلدات أو أوراق نجت من الدمار، وبين الحين والآخر، تظهر صفحات قديمة أو كتب مقصوفة، فيسارعون إلى التقاطها بعناية وتنظيفها قبل وضعها في صناديق كرتونية تمهيدًا لنقلها إلى مواقع أكثر أمانًا.

ويؤكد المشرفون على هذه المبادرة أن هدفهم يتمثل في إنقاذ أكبر قدر ممكن من محتويات هذه المكتبة العريقة، التي تعد من أقدم المكتبات الدينية في قطاع غزة، وتضم بين جنباتها إرثًا معرفيًا يمتد عبر قرون.

من جانبها، قالت حنين العمصي، المدير التنفيذي لمؤسسة "عيون على التراث"، المشرفة على مشروع إنقاذ المخطوطات في غزة، إن مكتبة المسجد العمري الكبير تُعد واحدة من أقدم وأعرق دور الكتب في فلسطين، تحتوي على مخطوطات عمرها يمتد بين 500 و700 عام، تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة القصف الإسرائيلي الأخير.

وتشير إلى أن الكثير من المخطوطات النادرة والتاريخية، التي تحتوي على علوم شتى مثل العلوم الإسلامية والشرعية، الطب، الأدب، القرآن والفقه، قد تضررت أو دُمرت تحت الأنقاض، وهو ما جعل مهمة الإغاثة والترميم عملًا عاجلًا وضروريًا لإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث.

وأكدت العمصي أن الفريق المتخصص في ترميم الكتب وإنقاذ ما تبقى من المكتبة يعمل وسط الركام والغبار والدمار لاستخراج أي مادة يمكن إنقاذها من المكتبة.

وتضيف أن جهودهم تمكنت حتى الآن من إنقاذ عدد من المخطوطات التي كانت محفوظة في دائرة المخطوطات و"قبة دار السعادة" قبل العدوان، بينما فقدت أجزاء كبيرة منها نتيجة الدمار الشديد الذي لحق بالمكان.

لسيت مهمة محلية

ووصفت حالة المخطوطات المتبقية بأنها "يرثى لها"، مشددة على الحاجة الملحة لتكثيف الجهود الدولية المتخصصة لحماية التراث الثقافي في قطاع غزة.

وتقول العمصي إن المؤسسة تعمل حاليًا على تنفيذ مشروع شامل يهدف إلى ترميم هذه المخطوطات وإعادة رقمنتها، بما يضمن توثيقها وحفظها من الاندثار الكامل.

وأكدت أن هذه المخطوطات تمثل "الذاكرة التاريخية والثقافية" لشعب غزة والفلسطينيين بشكل عام، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية والموروث العربي الإسلامي في المنطقة.

وشدّدت العمصي على أن عملية إحصاء ما تبقى من التراث القديم وإعادة عرضه على الساحة العالمية ليست مهمة محلية فحسب، بل تُعد جزءًا من تعزيز الوجود التاريخي الفلسطيني، خصوصًا في مواجهة محاولات التدمير الممنهج التي استهدفت جميع عناصر الحياة الثقافية في غزة.

وأوضحت أن إنقاذ هذه الوثائق العلمية والفقهية والكتابية يمثل حماية للتراث الفلسطيني، وضمانًا لاستمرارية البحث العلمي المستقبلي.

كما أكدت العمصي أن المشروع الذي تديره المؤسسة يتضمن خطوات عملية لمرحلة "الإسعاف" الفورية للمخطوطات، تشمل الترميم الحرفي الدقيق والتوثيق الرقمي، مشددة على ضرورة مساهمة المؤسسات الدولية في توفير الموارد والخبرات اللازمة لهذا العمل الحساس.

وتنوه العمصي إلى أن دعم المجتمع الدولي مهم للغاية لضمان الحفاظ على هذه المخطوطات وحمايتها من الضياع، مشيرة إلى أن كل جهد دولي سيكون له أثر مباشر في صون الذاكرة التاريخية والثقافية للقطاع، وحفظ إرث فلسطين للأجيال القادمة.

في السياق ذاته، يصف المتطوع أحمد الكردي اللحظة الأولى لدخول الفريق إلى المكتبة بأنها كانت صادمة، إذ وجدوا المخطوطات متناثرة في كل مكان، مختلطة مع شظايا القذائف وقطع الحجارة التي انهارت من الرفوف والسقف، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي أصاب هذا الصرح الثقافي العريق.

ويؤكد الكردي أن عملية إنقاذ كتاب واحد قد تستغرق ساعات طويلة من العمل المتواصل، نظرًا لحالته الهشة جدًا، التي لا تتحمل أي لمس عنيف أو إهمال.

ويشير إلى أن كل مخطوطة وكل كتاب يعالجونه يُنظر إليه على أنه كنز وطني فريد من نوعه، يحمل إرثًا حضاريًا وتاريخيًا لا يمكن استبداله أو تعويضه بأية قيم مادية، مؤكدًا أن هذه الأعمال ليست مجرد جهود لحفظ الورق، بل محاولة لحماية ذاكرة شعب بأكمله.

صبرًا وجهدًا مضاعفًا

ويشير إلى أن الفريق يفتقر إلى المعدات المتخصصة لترميم المخطوطات والكتب القديمة، وهو ما يزيد من صعوبة المهمة بشكل كبير، ويعمل المتطوعون بأدوات بسيطة وبدائية، مثل الفُرش الخشبية والعصي، لتحريك الأوراق وإزالة الغبار والأنقاض دون أن تتضرر.

ويضيف الكردي أن هذه الظروف تجعل العمل مضنياً، إذ يتطلب صبرًا وجهدًا مضاعفًا من الجميع، في ظل بيئة غير مستقرة، مع الغبار والرطوبة وانقطاع الكهرباء، ما يزيد من التحدي الماثل أمامهم.

ويؤكد الكردي أن كل دقيقة تقضيها الفرق في التعامل مع هذه المخطوطات تُحسب، فكل لحظة يمكن أن تكون فاصلة بين الحفاظ على قطعة أثرية تاريخية أو فقدانها نهائيًا.

ويختم بالتأكيد على أن ما يقومون به ليس مجرد عمل تطوعي، بل رسالة للحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية لغزة والفلسطينيين، وعلى إرث يمتد لأجيال، يحاول الفريق من خلاله أن يمنح هذه المخطوطات فرصة للبقاء على قيد الحياة رغم كل الصعاب.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة