تقرير غزيات يصنعن اقتصاد البقاء في ظل الحرب .. و يعِدن تعريف دور "المعيل" دون مظلة حماية

تقرير / شهاب

تقضي النساء في غزة حياتهن في أدوار وأعمال لم يخترنها، بل فرضتها عليهن قسوة الظروف جراء حرب الإبادة، ليجدن أنفسهن فجأة في موقع المعيل والمسؤول الأول عن أسر كاملة بعد فقدانهن أزواجهن، في واقع لا يترك لهن مساحة للاختيار بقدر ما يفرض عليهن الاستمرار. هذه الظروف دفعت العديد منهن إلى البحث عن مصادر رزق شاقة، بعضها لا يتناسب مع تطلعاتهن أو خلفياتهن، كالبحث عن عمل في الأسواق، أو فتح بسطات لبيع أي شيء داخل خيام النزوح.

وتقدر هيئة الأمم المتحدة أن أسرة من بين كل سبع أسر في غزة تعيلها امرأة الآن، مما يعني وجود أكثر من 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن ويتحملن عبئًا مضاعفًا في اتخاذ قرارات مصيرية وسط المجاعة والنزوح، لتجد هؤلاء النساء أنفسهن مع انهيار شبكات الدعم الاجتماعي في سوق عمل غير مستقر، لمحاولة العيش في ظل ظروف معيشية قاسية.

كارثة النزوح

ولا تقتصر المعاناة على توفير الدخل، بل تمتد لتفاصيل الحياة اليومية الشاقة؛ حيث الطوابير الطويلة من النساء والأطفال الذين ينتظرون لساعات تحت الشمس للحصول على جالونات من المياه الصالحة للشرب، في مشهد بات يختصر يوميات النزوح في مخيمات قطاع غزة.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد النساء في قطاع غزة يبلغ نحو 1.06 مليون، مؤكدة أن هذا الحضور الديمغرافي يعكس الدور المحوري للمرأة في المجتمع الفلسطيني. وكشفت البيانات عن فقدان 22,057 امرأة في قطاع غزة أزواجهن وأصبحن أرامل منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبل الحرب إلى نحو 18% خلال فترة العدوان.

تغادر منى أبو هندي (42 عامًا) في ساعات الصباح الباكر خيمتها في أحد مخيمات النزوح، تاركة أطفالها خلفها، ومتجهة نحو شارع جلال وسط خان يونس، حيث تفترش بسطة صغيرة لبيع الملابس النسائية.

تقول منى إن هذا العمل بات مصدر دخلها الوحيد بعد أن وجدت نفسها مسؤولة وحدها عن إعالة ستة أطفال وتوفير احتياجاتهم اليومية في ظل كارثة النزوح وانعدام كل سبل الحياة.

وتضيف وهي تراقب المارة في السوق: “لم أتخيل يومًا أن أكون هنا، في الشارع، أبيع الملابس لأستطيع إطعام أطفالي. أشعر أحيانًا أن هذا المكان ليس مكاني، لكن لا خيار أمامي، يجب أن أستمر كي أستطيع إطعام أطفالي بعد استشهاد والديهم.”

وتوضح أبو هندي أن عملها متعب ومرهق، يبدأ مبكرًا وينتهي متأخرًا، بين محاولات البيع وتوفير الحد الأدنى من الدخل، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية صعبة تجعل الاستقرار شبه غائب، وتدفعها لمواصلة العمل رغم معاناتها النفسية جراء الفوضى والتواجد في مكان غير مكانها وتركها لأطفالها.

إلى جانبها، تجلس المسنة نفين بن عيسى داخل أحد المحلات التجارية، خلف ماكينة خياطة يدوية متهالكة، تعمل عليها لساعات طويلة مقابل مبالغ مالية بسيطة، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرتها.

وتقول بن عيسى إن ظروفها المعيشية تدهورت بشكل كبير بعد أن فقدت معظم مقومات حياتها، ولم يتبقَّ لها سوى خيمة تؤويها. وتوضح أنها تعتمد على الخياطة كمصدر دخل وحيد، رغم ضعف العائد وصعوبة العمل على ماكينة قديمة.

وتضيف أن ساعات العمل الطويلة لا تنعكس على الدخل، في ظل محدودية الطلب وارتفاع أسعار المواد، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية مهمة يومية شاقة.

في حين تجلس هدى العسلي أمام خيمتها، حيث حولتها إلى نقطة شحن يعتمد عليها عدد من سكان المخيم لشحن هواتفهم النقالة على منظومة طاقة شمسية بسيطة، في ظل انقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى مصادر طاقة بديلة.

معاناة مركبة

وتتولى العسلي مسؤولية مراقبة عشرات الهواتف التي يتركها سكان المخيم لديها يوميًا للشحن، بينما تجلس قربها تحاول تنظيم العمل وسط ازدحام الطلبات. وتقول إن هذا النشاط أصبح مصدر دخلها الأساسي الذي تعتمد عليه في تأمين احتياجاتها واحتياجات أحفادها الأيتام الذين فقدوا آباءهم خلال الحرب.

وتوضح أن مسؤولية رعاية الأحفاد زادت من حجم الأعباء اليومية، ما دفعها إلى استغلال ما توفر لديها من إمكانيات بسيطة لتأمين دخل يساعدها على الاستمرار.

وتضيف أن الاعتماد على الطاقة الشمسية لا يكفي دائمًا لتلبية الطلب المتزايد، إلا أنها تواصل العمل في ظل غياب بدائل أخرى.

قالت منظمة العفو الدولية إن الأثر المدمّر للإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة خلال 29 شهرًا دفع النساء والفتيات إلى حافة الانهيار، في سياق انعكس بشكل مباشر على واقع آلاف النساء اللواتي فقدن المعيل وأصبحن المسؤول الأول عن إعالة أسرهن، ما اضطر كثيرات منهن إلى البحث عن أي فرصة عمل لتأمين قوت أطفالهن.

وأوضحت المنظمة أن النساء يواجهن تبعات مركبة تهدد حياتهن، تشمل التهجير القسري المستمر، وانهيار منظومة الرعاية الصحية الإنجابية وصحة الأمهات وحديثي الولادة، وتعطل علاج الأمراض المزمنة، بما فيها السرطان، إلى جانب تفاقم المخاطر الصحية والنفسية الناتجة عن العيش في ظروف غير آمنة ومهينة، وهي ظروف تدفع النساء إلى تحمل أدوار معيشية واقتصادية مضاعفة في ظل غياب المعيل أو فقدانه.

وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار إن النساء الحوامل والمرضعات، وأمهات الرضع والأطفال الصغار، والنساء ذوات الأمراض المزمنة أو الإعاقات، والأرامل والمُهجَّرات مرات عديدة، يواجهن صراعًا يوميًا للبقاء، وهو ما يضع كثيرات منهن في موقع المعيل الوحيد الذي يبحث عن أي مصدر دخل لتأمين احتياجات أسرته.

تقول الدكتورة ختام أبو عودة، الأخصائية الاجتماعية، إن الحرب في غزة أعادت تشكيل الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة بشكل قسري وغير مسبوق، حيث وجدت آلاف النساء أنفسهن في موقع المعيل الوحيد بعد فقدان الأزواج، في ظل غياب أي منظومة حماية اجتماعية قادرة على استيعاب هذا التحول الكبير. وتضيف أن هذا التحول لم يكن تدريجيًا، بل جاء فجائيًا وصادمًا، ما ضاعف من حجم الأعباء النفسية والاجتماعية الواقعة على النساء.

وتوضح أبو عودة أن فقدان المعيل لا يعني فقط فقدان مصدر الدخل، بل انهيار كامل للبنية الأسرية التي كانت تعتمد على توزيع الأدوار بين الزوجين. وتؤكد أن النساء اليوم لا يواجهن فقط تحدي البقاء الاقتصادي، بل أيضًا مسؤولية اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بتعليم الأطفال، وصحتهم، وتوفير الاحتياجات الأساسية في ظل ندرة الموارد.

وفيما يتعلق بالواقع الاقتصادي، تشير إلى أن النساء اضطُررن للانخراط في أعمال هامشية وشاقة في كثير من الأحيان، مثل البيع في الشوارع أو داخل مخيمات النزوح، أو العمل في حرف بسيطة وغير مستقرة. وتؤكد أن هذه الأعمال غالبًا لا تتناسب مع خبراتهن أو مؤهلاتهن، لكنها الخيار الوحيد المتاح أمامهن في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد.

وتضيف أن غياب الدخل المستقر ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي داخل الأسر، ويجعل النساء في حالة ضغط دائم لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، وهو ما يخلق دائرة مستمرة من القلق والإجهاد النفسي والجسدي.

دون مظلة حماية

وتشير الدكتورة أبو عودة إلى أن الأثر النفسي لهذه التحولات لا يقل خطورة عن الأثر الاقتصادي، إذ تعيش العديد من النساء حالات من الصدمة والحزن المزمن، إلى جانب شعور دائم بالمسؤولية الثقيلة والضغط المستمر.

وتوضح أن بعضهن يعانين من أعراض الاكتئاب والإنهاك النفسي، لكن دون أي إمكانية حقيقية للحصول على دعم نفسي متخصص في ظل الظروف الحالية.

وفي ما يتعلق بشبكات الحماية، تشير أبو عودة إلى أن الدعم الاجتماعي والمؤسساتي ما يزال محدودًا جدًا مقارنة بحجم الأزمة، ما يترك النساء في مواجهة مباشرة مع الاحتياجات اليومية دون مظلة حماية كافية. وتوضح أن هذا الفراغ يزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي ويعمّق معاناة النساء بشكل مستمر.

وتؤكد أن ما يحدث اليوم في غزة لا يمكن اعتباره حالة مؤقتة فقط، بل هو تحول اجتماعي قسري قد يترك آثارًا طويلة المدى على بنية الأسرة ودور المرأة داخل المجتمع، ما يتطلب تدخلات عاجلة وشاملة لا تقتصر على الإغاثة، بل تمتد إلى إعادة بناء منظومة دعم اجتماعي ونفسي مستدامة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة