د.محمد إبراهيم المدهون

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]

أسد فلسطين في ذكرى الرحيل

لم تسترح غزّة في ذلك اليوم؛ انسكب الليل على كفّيها دماً، وكان اسم عبد العزيز الرنتيسي يشتعل في العتمة كنجمةٍ تهوي لتضيء. في زمنٍ يكثر فيه الزبد ويقلّ الرجال، مضى أسدُ فلسطين، وجهُه إلى الصلاة، وخطوتُه إلى الشهادة. كان معنىً في زمنٍ تساقطت فيه المعاني، ظلّاً عصيّاً، وعينين تصادقان الليل بحثاً عن ثغرٍ في حصون الغزاة، وكوفيةً تشبه ندوب الأرض.

وُلد فاشتدّ السنديان، واستُشهد فولدت السنابل. طفلٌ كان يفتح باب الدار فيهبّ النعناع، يركض إلى المخيم والبحر، يطلق مركباً ورقياً ويعود بحلمٍ أكبر من الموج. كبر فكبر معه المخيم؛ من مشاكسٍ صغير إلى قائدٍ لا ينحني، يعبر الذاكرة والرصاص معاً.

قالها صوته من عمق فلسطين: تعلّمت أن أمسح الدم عن الأقصى فكانت المقاومة، وأن أمسح الدمع عن المكلومين فكانت مؤسسات الرحمة، وأن أبني جيلاً فكانت المساجد والمدارس. صار اسمه لغةً تحفظها الحجارة، وتردّدها السنابل.

يوم الثامن عشر من نيسان 2004، خرجت غزّة كلها جنازةً واحدة؛ نصف مليون قلبٍ يمشي خلف نعشٍ واحد، كأنهم يقولون: لم يمت، بل تكاثر. ازدحمت الأعناق، وتقدّم الرجال بلا أرضٍ تحت أقدامهم، يطلبون قبلةً أخيرة من جبينٍ صار وطناً.

لم تُنهِه الصواريخ؛ فتحت جرحاً خرجت منه قرىً وماءٌ ونعناع. صار دمه نهراً يجري في الشوارع، يعلّم التلاميذ درس الوطن قبل الحروف. ترك وصيّته على الأرصفة: الأمانةُ دمٌ يُسلَّم لدم.

هكذا يموت الأبطال: يتحوّلون إلى أشجارٍ ثابتةٍ في الأرض، عاليةٍ في السماء. وهكذا خرج الرنتيسي من ضيق الجسد إلى سعة البلاد، بعد أن خطّ بيديه طريقاً يمتد من رفح إلى الجليل، ورسم درباً يعبر الجسور والأنفاق، وشقّ جدولاً يصل بحر غزّة بجبال القدس وروابي الخليل.

ظنّ القتلة أنهم أنهوا الحكاية؛ فإذا الحكاية تبدأ. لو وقفوا عند عرسه لأحصوا مئات الآلاف من “رنتيسي” يمشون. دمُه وضعنا على حدّ الخيار: إمّا حياةٌ بكرامة، أو موتٌ يكتب الحياة.

يا أبا محمد، طاردتَ جيشاً بقلبٍ واحد، فلما أصابوا الجسد أفلتت الروح إلى علوّها. لم تنلك الأيدي، وارتفعت حيث تصطفّ الملائكة، يستقبلك رفاق الدرب، وتضع رأسك أخيراً على كتف السماء.

لم يمت؛ تبدّل مقاماً. صار اسماً تمشي به البلاد، ووجهاً كلما غاب حضر، وكلما سقط قام في الناس ألف مرّة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة