حذّرت الأمم المتحدة، اليوم الجمعة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوّههم بصورة منتظمة، فيما تهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل. وأشارت إلى أنّ القنابل والقذائف المشار إليها، وحتى الرصاص، تنتشر في مختلف أنحاء القطاع. وأتى ذلك منذ بداية الحرب الحرب الإسرائيلية المدمّرة على قطاع غزة وأهله، في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويُظهر مسح أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أنّ أكثر من ألف شخص لقوا حتفهم في قطاع غزة نتيجة هذه الذخائر المرتبطة بالنزاع، غير أنّ "من المرجّح" أن تكون الحصيلة الفعلية "أعلى بكثير"، وفقاً لما صرّح به المسؤول عن هذه الدائرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة يوليوس فان دير فالت. أضاف، في خلال مؤتمر صحافي، أنّ "نحو نصف الضحايا من الأطفال".
وأتى هذا المؤتمر الصحافي في سياق أعمال الاجتماع الدولي التاسع والعشرين لمديري البرامج الوطنية لنزع الألغام ومستشاري الأمم المتحدة الذي ينهي أعماله اليوم في مدينة جنيف السويسرية، علماً أنّه كان قد انطلق أوّل من أمس الأربعاء في 22 إبريل/ نيسان 2026. يُذكر أنّ وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا كان قد حذّر صباح اليوم، في خلال الاجتماع نفسه، من تزايد انتشار الألغام والعبوات الناسفة في مناطق عدّة من العالم، بما في ذلك قطاع غزة.
في سياق متصل، أسفت نارمينا ستريشينيتس من منظمة "سيف ذا تشيلدرن" إزاء ما وصفته بالثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال في قطاع غزة، وبيّنت أنّ القطاع الفلسطيني يضمّ اليوم "أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف" في العالم. ووفقاً لتقرير نشرته المنظمة في العام الماضي، فقد سبّب استخدام الأسلحة المتفجّرة في القطاع شهرياً، في المتوسط، إصابةَ 475 طفلاً بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة.
تجدر الإشارة إلى أنّ المفوّض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) السابق فيليب لازاريني كان قد أفاد بأنّ نسبة الأطفال ذوي الإعاقة في قطاع غزة هي "الأعلى في العالم". أتى ذلك في تدوينة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، في الثالث من ديسمبر/ كانون الأول 2024، أي بعد 14 شهراً من الحرب الإسرائيلية التي نكبت القطاع وأهله، وقد تحدّث حينها عن "جائحة إعاقات" في القطاع المحاصر والمستهدف بحرب إبادة جماعية.
وفي المؤتمر الصحافي الذي عُقد في جنيف اليوم الجمعة، قال المسؤول عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في الأراضي الفلسطينية المحتلة إنّهم لم يتمكّنوا بعد من تقييم حجم المشكلة بالكامل، غير أنّه أشار إلى أنّ البيانات المتاحة تُظهر "كثافة مرتفعة" من التلوّث بالذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة.
وأحصت الدائرة الأممية حتى الآن أكثر من ألف من الذخائر في خلال عمليات نفّذتها على مدى العامَين ونصف العام الماضيَين. وأوضح فان دير فالت أنّ ذلك يعادل "ذخيرة واحدة في كلّ 600 متر تقريباً"، لافتاً إلى أنّ هذا الرقم يقتصر على ما جرى رصده فقط. أضاف أنّ ذلك يأتي إلى جانب الكثافة السكانية العالية جداً في قطاع غزة، الذي كان يُعَدّ قبل الحرب من بين أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم، مع نحو ستة آلاف نسمة في الكيلومتر المربّع الواحد، مشيراً إلى أنّ الحرب خفّضت فعلياً المساحة المتاحة إلى النصف وضاعفت الكثافة السكانية.
وتابع فان دير فالت أنّ "الأسلحة المتفجّرة تُستخدم في كلّ أنحاء قطاع غزة، بما في ذلك في مخيمات لاجئين شديدة الاكتظاظ"، مستشهداً بحادثة مستجدّة؛ عندما عُثر فيها على بقايا ذخائر في داخل خيمة نزوح مأهولة قبل أسابيع. وحذّر كذلك من أنّ القوافل الإنسانية قد تسبّب انفجار بعض من تلك الذخائر، في أثناء عبورها بالقطاع.
وقدّر المسؤول الأممي أنّ التعامل مع هذه الذخائر قد يتطلّب، في أفضل الأحوال، نحو 541 مليون دولار أميركي، شريطة الحصول على كلّ التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة. وحذّر من أنّ حجم التلوّث بالذخائر، ولا سيّما بين الأنقاض، يجعل من شبه المستحيل إجراء تقييم كامل، مرجّحاً أن تبقى هذه المتفجّرات مشكلة على مدى عقود من الزمن. وفي هذا الإطار، لفت فان دير فالت إلى أنّ المملكة المتحدة تعثر، حتى اليوم، على قنابل من الحرب العالمية الثانية في مواقع بناء، متوقّعاً أنّ "أمراً مشابهاً قد يحدث" في قطاع غزة.
