تقرير وريث المعول والألم.. المهندس "أبو عريبان" يواصل مسيرة والده المصاب لتوفير لقمة العيش لعائلته

المهندس إبراهيم أبو عريبان

تقرير - شهاب

بين أنقاض المنازل المكتظة في غرب مدينة دير البلح، ينسج المهندس البيئي إبراهيم أبو عريبان فصلاً جديداً من فصول الصمود الفلسطيني، محولاً معاناته من مهندس فقد استقراره إلى مزارع يبحث عن الحياة في قلب الموت، بعد أن جرفت آليات الاحتلال منزله وأرض عائلته في المناطق الشرقية للمدينة، لتبدأ رحلة نزوح قاسية لم تكن في الحسبان.

لم تكن مهنة الزراعة مجرد خيار مهني لإبراهيم، بل أصبحت واجباً أخلاقياً وعائلياً بعد أن أصيب والده إصابة بالغة خلال الحرب المستعرة، ليفقد الأب قدرته على الحركة في ظل منظومة صحية متهالكة داخل قطاع غزة عجزت عن تقديم العلاج اللازم له، مما جعله في قائمة الانتظار الطويلة والمضنية بانتظار تحويل طبي مأمول نحو الخارج.

يقول المهندس إبراهيم واصفاً هذا التحول الجذري في حياته: "لم تكن الأرض بالنسبة لنا مجرد مساحة للزراعة، بل كانت هوية وذاكرة جرفها الاحتلال في لحظة واحدة، واليوم أجد نفسي أحمل معول والدي ليس فقط من أجل لقمة العيش، بل لأثبت أننا كفلسطينيين نملك قدرة عجيبة على إعادة الإنبات من جديد وسط الرماد والركام".

وأمام انعدام فرص العمل في تخصصه الهندسي وتوقف عجلة الحياة المهنية، اضطر إبراهيم لاستئجار قطعة أرض صغيرة في مكان نزوحه، محاولاً بما تبقى له من طاقة وخبرة بيئية أن يستصلحها ويزرعها، ليكون المعيل الوحيد لأسرته ولعائلته التي تقطعت بها السبل وفقدت مصادر دخلها الأساسية منذ بداية العدوان.

ويواجه أبو عريبان في عمله الجديد تحديات تفوق طاقة البشر، حيث يعاني القطاع الزراعي من غلاء فاحش في مقومات العمل الأساسية، من بذور وأسمدة ومياه، فضلاً عن شح الوقود اللازم لتشغيل المضخات، مما يجعل من كل ثمرة تنبت في أرضه معجزة تقنية وبشرية في ظل حصار مطبق يمنع دخول أبسط المستلزمات.

ويضيف إبراهيم في حديثه لـ(شهاب): "المهندس البيئي فيّ يدرك تماماً حجم التدمير الذي أصاب تربتنا ومياهنا، لكن الحاجة لإطعام أطفالي وعلاج والدي تجعلني أتجاوز لغة الحسابات الهندسية إلى لغة البقاء، فنحن اليوم نزرع بدموعنا قبل مياهنا، وكل عقبة تضعها الحرب أمامنا تزيدنا إصراراً على استكمال مسيرة والدي التي بدأت منذ عقود".

ولا يغيب عن بال إبراهيم لحظة واحدة مشهد والده المصاب وهو يراقب نمو المحاصيل بعينين ملؤهما الأمل بالأرض والألم من المرض، إذ يمثل نجاح إبراهيم في الأرض المستأجرة رسالة طمأنة لوالده بأن "الأرض لا تموت" وأن المسيرة الزراعية التي أفنى الأب عمره فيها ستظل مستمرة حتى لو تغيرت الجغرافيا وتعددت مواطن النزوح.

ويؤكد إبراهيم: "إن رسالتي للعالم هي أن المهندس والمزارع والمعلم في غزة كلهم يقفون في خندق واحد ضد سياسة التجويع والتهجير، وسأظل متمسكاً بهذه الأرض، أزرعها وأرعاها، حتى يمن الله على والدي بالعلاج وعلى أرضنا بالحرية، لتعود أيدينا لتعمير ما دمره الاحتلال في شرق دير البلح".

وفي ختام يومه الطويل والمضني، يعود إبراهيم إلى خيمة النزوح حاملاً ما جادت به الأرض، ليؤكد بفعله قبل قوله أن الإرادة الفلسطينية أقوى من آلات التجريف، وأن التحول من الهندسة إلى الزراعة ليس تراجعاً، بل هو ارتقاء في سلم الصمود الذي يفرضه واقع غزة الأليم، في انتظار غدٍ يجمع بين الشفاء للأب والعودة للديار.

 

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة