خاص / شهاب
في تجمع أم الخير بمسافر يطا جنوب الخليل، لا تنتهي لعبة كرة القدم عند صافرة حكم المبارة، بل عند صوت رصاصة من مستوطن يستعد للهجوم أو اقتراب مركبة عسكرية تابعة للاحتلال، حيث تتحول مساحة الملعب الصغيرة المخصصة للانشطة الرياضية إلى ميدان انتهاك لحقو قالاطفال باللعب ومكان مهدد بالزوال في أي لحظة، اذ تبدو تفاصيل لعبة كرة القدم التى يحظى فيها الاطفال والفتيان وسط معاناة يومية محكومة بظلٍ ثقيل من الاستهداف المتواصل من قبل المستوطنين الذين يصعدون من انتهاكاتهم اليومية تجاه سكان تجمع أم الخير
مشروع تنموي
أُنشئ ملعب أم الخير قبل نحو عامين ضمن مشروع تنموي بتمويل خارجي استهدف توفير متنفس للأطفال في التجمعات البدوية بمسافر يطا، لم يكن مجرد بنية رياضية عابرة. فقد جاء ضمن محاولات محدودة لتعويض غياب البنية التحتية الأساسية في المنطقة، وتوفير مساحة آمنة نسبيًا للأطفال لممارسة اللعب في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الطبيعية. لكن هذا الملعب، الذي مثّل لحظة أمل قصيرة فى حياة سكان المسافر ، سرعان ما دخل دائرة الاستهداف المباشر.
في فبراير الماضي، سلّمت سلطات الاحتلال إخطارًا يقضي بهدم الملعب، في خطوة وُصفت من قبل الأهالي بأنها جزء من سياسة أوسع تستهدف الوجود الفلسطيني في مسافر يطا. جاء القرار بعد حملة تحريض قادها مستوطنون، إلى جانب منظمة "ريغافيم" الاستيطانية، التي اعتبرت الملعب "عائقًا أمام التوسع الاستعماري" في المنطقة، في توصيف يعكس تصاعد الانتهاكات والاستيطان والتهجي المفتوح لسكان المسافر، حيث تتحول فيها المساحات الترفيهية وملاعب الاطفال إلى مناطق نزاع قابلة للإزالة بقرار الاحتلال.
في أم الخير، لا يتوقف الاستهداف عند حدود الملعب فقط فالمشهد اليومي للتجمع يحمل طبقات متراكمة من القيود، تبدأ من التعليم ولا تنتهي عند الحركة والتنقل ، فالمدرسة التي كانت تمثل ركيزة أساسية في حياة الأطفال التعليمية تعرض للهجوم منذ مطلع ابريل الحالى، فيما يشكو الأهالي من عراقيل متكررة على الطريق المؤدي إليها، سواء عبر الإغلاقات أو التضييق الميداني او القاء قنابل الغاز من قبل جيش الاحتلال عل الاطفال الذاهبون الى المادارس، ما أدى إلى تعميق أزمة التعليم في التجمع وحرمان الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم المنتظم.
هذا الواقع التعليمي لا ينفصل عن السياق العام الذي يعيشه السكان، حيث تتداخل الاعتداءات الميدانية مع السياسات الإدارية على الأرض. فوفق شهادات محلية، يتعرض التجمع بشكل شبه يومي لاعتداءات وتهديدات من قبل مستوطنين مسلحين، في محاولات مستمرة لفرض بيئة طاردة تدفع السكان نحو الرحيل القسري من بيوتهم واراضيهم الزراعية.
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على البالغين من سكان المسافر، بل تمتد لتشمل الأطفال الذين يصبحون شهودًا ومشاركين قسريين في مشهد عنف متكرر، سواء في الطريق الى المدرسة أو داخل فضاءات لعبة صغيرة فى متنفس القرية.
رمز لحياة معلّقة
في هذا السياق، يتحول ملعب أم الخير من مجرد مساحة رياضية إلى رمز لحياة معلّقة بين البقاء والزوال. فهو ليس فقط مكانًا للعب، بل محاولة يومية لإبقاء الأطفال داخل دائرة الطفولة في بيئة تُسحب منها تدريجيًا كل مظاهر الأمان والاستقرار. ومع كل تهديد جديد بالهدم أو الاقتحام، تتقلص هذه المساحة الرمزية أكثر، وتصبح أكثر هشاشة أمام الواقع الميداني.
أهالي التجمع يرون أن استهداف الملعب والمدرسة والمرافق الأساسية لا يمكن فصله عن سياق أوسع في مسافر يطا، حيث تتصاعد المخاطر المرتبطة بالتهجير القسري، في ظل سياسات تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني لصالح التوسع الاستيطاني في المنطقة. وهو سياق يجعل من كل تفصيل يومي—من اللعب إلى التعليم—جزءًا من معركة بقاء مفتوحة.
ورغم ذلك، لا تزال الحياة تُصرّ على حضورها في التفاصيل الصغيرة. الأطفال رغم اطلاق النار والغاز المسيل لدموعهم يعودون إلى الملعب كلما سنحت الفرصة، يركضون خلف كرة تتحدى واقعًا أثقل من أعمارهم، في مشهد يبدو بسيطًا لكنه محمّل بمعانٍ تتجاوز حدود اللعب.
غير أن هذه اللحظات، مهما بدت عادية، تبقى معلّقة على احتمال دائم: أن تنتهي فجأة، ليس بصافرة حكم، بل بقرار هدم أو هجوم مستوطن جديد يعيد رسم حدود المكان.
